د. عمرو خالد يكتب: حسن الخُلق.. زينة الإيمان

الأحد، 30 سبتمبر 2018 02:22 م
اسليدر-د-عمرو


إذا كان الله عز وجل قد جعل إعمار الأرض "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" هو الهدف الأعظم من خلق الإنسان، ووضعه على رأس أولوياته في هذا الكون؛ فإن الإنسان ولا أحد سواه هو المعني بذلك، هو "الخليفة" الذي أوكل الله إليه تلك المهمة العظيمة، وسخّر له الكون بكل ما فيه من أجل تحقيق تلك الغاية، وذلك عندما يحسن استخدام الموارد التي سخرها الله في كل ماينفع الناس، ولايستغلها في أية أهداف أخرى تؤدي إلى الإضرار بالبشرية، أو تكون سببًا في هلاكها.


وأعظم تلك النعم هو العقل الذي حباه الله لك وكرمك به عن سائر المخلوقات، حتى تميز بين الحق والباطل، والخير والشر، والصالح والضار، أودعه الله فيك كي تفكر وتتأمل في أسرار هذا الكون، الذي ائتمنك عليه خالقه، جعلك الخليفة فيه، إذًا فأنت مُستأمن عليه، أنت خليفة في جسدك وجوارحك، وقواك الظاهرة والباطنة، كلما حسنت أخلاقك صرت المتحقق بمعنى الخليفة وعلى ذلك يكون الحساب يوم القيامة.

من أجل هذا جاءت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم الذي حمل الدعوة الكريمة العظيمة من رب السموات إلى أهل الأرضمن أجل هذا جاءت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم الذي حمل الدعوة الكريمة العظيمة من رب السموات إلى أهل الأرض، داعيًا إلى هداية البشر، والتحلي بمكارم الأخلاق.. وهو القائل "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". يقول أصحابه: "كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه".

وما كان لينجح في مهمته العظيمة رغم ما لاقاه من تعنت وإيذاء من قومه، إلا لأنه كان "الصادق الأمين"، كما كان يطلقون عليه في الجاهلية قبل بعثته، خلقه الطيب الكريم كان هو مبعث الحب له والإيمان برسالته "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ".

وكأنه يحدد لنا معالم الطريق حتى نسير على خطاه، فلا دين بدون أخلاق، ولاأخلاق بغير دين، فالأخلاق هي النافذة التي توصل الإنسان إلى طريقين لا ثالث لهما: إما الجنة أو النار، ونحن من نختار الطريق طائعين ولسنا مجبرين، في كل مرة نحب أو نرحم فيها ندخل الجنة، وفي كل مرة نحقد أو نتباغض فإننا نسقط في نار الجحيم.

الأخلاق في الإسلام تدور حول الهدف من وجود الخلق "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".. خليفة أخلاقي يعمل لأعمار الكون، لأنه بدون الأخلاق يتحول الإعمار تدريجيًا إلى الإفساد، لذلك ربط القرآن دائمًا العلم الذي هو طريق تقدم الأرض بالرحمة، لأن العلم بلا رحمة يتحول إلى إفساد.

بل إن الرحمة في القرآن الكريم دائمًا تسبق العلم "رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا"بل إن الرحمة في القرآن الكريم دائمًا تسبق العلم "رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا"، "فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا"، فرحمة الطبيب بالمريض يجب أن تسبق علمه ورحمة المدرس بالتلميذ يجب أن تسبق علمه ورحمة الرئيس بالمرءوس يجب أن تسبق علمه وأوامره ورحمة الناس ببعضهم يجب أن تسبق علمهم وتميزهم.

 لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم مثالاً للرحمة وجاءت رسالته رحمة للعالمين يقول سبحانه "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ".

يتفاوت الناس في دينهم على قدر تفاوتهم في أخلاقهم؛ فكلما ارتقت أخلاقهم زاد دينهم قوة وزاد إيمانهم حلاوة، وكلما انحطت أخلاقهم نزع منهم معنى التدين وصار صورة لا روح لها. أنت صورة لاروح فيها حتى تعيش بالأخلاق فينفخ فيك روح الحياة.

" وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، فسرها المفسرون "إنك لعلى دين عظيم"، لأن الدين هو الأعمال الباطنة والظاهرة، والأخلاق هي أصل ذلك كله، ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ". وقال الإمام أحمد قال ابن عباس: معنى الآية.. إنك لعلى دين عظيم. وسئلت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: " كان خلقه القرآن".

وسمى الله سبحانه يوم القيامة "يوم الدين" أي اليوم الذي يدين فيه الناس بنتائج أخلاقهم، ولذلك فلن تبلغ من الدين شيئًا حتى توقر جميع الخلائق.
هناك نماذج أخلاقية في عصرنا هذا حرى بنا أن نتعلم منها معنى الأخلاق، فهذا حاج ماليزي اكتشف بعد عودته من أداء فريضة الحج إلى بلاده وجود حجر في حقيبته من أحجار رمي الجمرات، فأصرَّ على إعادته مرة أخرى إلى مزدلفة، فقام بجلب علبة زجاج بها منظف ونظَّف الحجر وعطَّره ووضعه داخل العلبة ، ثم كتب رسالة إلى مدير بريد العاصمة المقدسة ، وأرفقها بمبلغ 10 ريالات طلب من مدير البريد أن يدفعها لسائق سيارة أجرة لإعادة الحجر إلى مكانه. هذا هو المعنى الذي نقصده لفكرة تحويل الأخلاق من كلام وعظي إلى طريقة حياة.

وهذه قصة حقيقة لبطل رياضي حاز على الميدالية الفضية في أولمبياد لوس أنجلوس عام 1984 في لعبة الجودو،وهذه قصة حقيقة لبطل رياضي حاز على الميدالية الفضية في أولمبياد لوس أنجلوس عام 1984 في لعبة الجودو، وهو البطل العالمي محمد رشوان. هذا البطل الموهوب عندما دخل الأولمبياد ظل يفوز بكل المباريات حتى

وصل للدور النهائي للعب على الذهبية، وكانت المباراة النهائية مع البطل الياباني الحائز على الميدالية الذهبية لثلاث دورات متتالية، ولكنه أصيب إصابة خطرة في قدمه اليسرى في الدور قبل النهائي وكانت ظاهرة ومعلومة للجميع لدرجة جعلته يتكئ عليها.. أي أن الفرصة مهيأة للبطل المصري للحصول على حلم ذهبية الاوليمبياد.

لكن البطل المصري اتخذ قرارًا أدهش الجميع وهو أن يلعب على القدم اليمنى للخصم ولن يلعب على قدمه المصابة، ولم يصدق الحكام ولا اليابانيون ما يحدث ولكنها الحقيقة، وانتهت المباراة بخسارة محمد رشوان للذهبية مع - أنه كان قادرًا على الفوز بها بسهولة- ولكنه كسب حب واحترام العالم بأجمعه حتى عندما ذهب لليابان في زيارة استقبلوه في المطار استقبال الفاتحين.

إنها الأخلاق التي يلين لها الحديد، وديننا هو الأخلاق، وعلينا إدراك تلك الحقيقة، خاصة في هذا الوقت الذي تشتد فيه الهجمة عليه، ويسيء البعض إليه، بألا نحصر أخلاقنا داخل المسجد، ونتجاهلها على أعتابها.

اضافة تعليق