د. سعد جاويش يرد على المشككين ومنكري السُّنة (حوار)

الأحد، 30 سبتمبر 2018 12:29 م
1

أستاذ الحديث بجامعة الأزهر: 


* *الطعن في عدالة الصحابة مسعى جهنمي للتشكيك في القرآن الكريم والنيل من الدين


* اتهام أئمة الحديث بالاهتمام بالاسناد أكثر من المتن تطاول على السنة وكذب على العلماء


* الإسناد خصوصية شريقة لأمة محمد والحديث عن مناهضتها للمنهج القرآني هراء لا قيمة له


*الاهتمام بالإسناد هو تعضيد وتقوية للمتن والسنة دونت في عهد الرسول وهذه هي الأدلة


* كتب "تاريخ الرواة" فند شبهات المتشرقين وأغلقت جميع الأبواب للطعن في السنة


*موافقة السنة لكتاب الله إجمالية ولا يشترط أن تكون تفصيلية والأحكام الجديدة مقيدة بحكم القرآن


*السنة وحي من عند الله وآيات قطعية الثبوت وإجماع الصحابة سدد ضربة قاضية لمطاعن القرآنيين


*الرسول رد على محاولات النيل من البخاري ومسلم منذ 1400عام


*الصحيحان أفضل الكتب بعد القرآن والتشكيك فيهما نتيجة لاخفاق المساعي لتشويه الصحابة


*السنة هي المذكرة التفسيرية للقرآن والحملة عليها مستمرة حتى تقوم الساعة


* مزاعم المستشرقين عن التعارض بين القرآن والسنة مصدر سعة وثراء لكليهما وليست بابًا للطعن

قال الدكتور سعد جاويش، أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، إن الحملة التي تستهدف السنة النبوية من قبل المستشرقين ومنكري السنة والقرآنيين ستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، رغبة منهم في هدم ثوابت الدين الإسلامي والكيد له، لكنه قلل من أهميتها قائلاً إنها لم ولن تحقق شيئًا من اهدافها، وسيكون مصير أصحابها الحسرة والندامة.

وأضاف جاويش في حوار مع موقع "amrkhaled.net"، أن "الشبهات المثارة ضد السنة تفتقد للنهج العلمي وتنم عن حقد دفين تجاه الإسلام، لأن الإسناد خصوصية شريفة لأمة رسولنا الكريم أمتازت به عن كافة الأمم، واهتمام العلماء بالإسناد لم يقل عن اهتمامهم بالمتن، بل أن الاهتمام بالإسناد هو من عضد حجية المتن".

وأشار إلى أن "السنة وحي من عند الله لرسوله الكريم، وهناك عدد من الآيات المحكمات وإجماع الصحابة يؤيد هذا الأمر، بل ويشير إلي أن وجود بعض الاختلافات بين القرآن والسنة لا يشكل أداة للطعن فيهما بقدر ما  هو مصدر ثراء وسعة للإسلام يسهل على المسلم تيسير شئون حياته".

وفند صاحب مؤلف "نزغ في الشيطان " للدفاع عن السنة أراجيف المستشرقين، قائلاً إن "السنة دونت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن نهيه عن التدوين كان موجهًا لكتاب الوحي في مرحلة تاريخية بعينها قطعًا للطريق على اختلاط القرآن بالسنة"، مدافعًا عن صحيحي البخاري ومسلم، باعتبارهما أصح كتابين بعد القرآن الكريم .
الحوار مع العالم الأزهري تطرق لقضايا عدة:

*السنة النبوية تعرضت لحملة طعن وهجوم شرسة من قبل تيارات عدة، من قبل معادين للإسلام وخصوم له، ومنكرين لها من بني جلدتنا فهل من تفسير لذلك؟

*السنة المشرفة هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن، وهو أمر مجمع عليه، حيث أجمعت الأمة على أنها من أهم مصادر التشريع تالية لكتاب الله عز وجل، يقول تعالى "وأنزلنا إليك الكتاب والذكر  لتبين للناس ما أنزل إليهم"، ومن ثم فوظيفة الرسول البيان باعتبار أن السنة المشرفة هي المذكرة التفسيرية للقران الكريم، كما جاء في قوله تعالي "أنزل عليك الكتاب والحكمة"، فالكتاب هو القرآن والحكمة هي السنة النبوية.


أما بخصوص حملة الهجوم المستعرة ضد السنة في هذه الآونة، فإن أعداء الإسلام ساءهم كثيرًا تمسك أهل الإيمان بدينهم واعتصامهم بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، في ظل عجزهم عن الطعن في القرآن الكريم، نظرًا لأن المسلم يشهد للقرآن بأنه كتاب حق، والمصدر الوحيد الذي لم تمتد إليه يد التحريف ولم يتطرق إليه أحد بزيف أو تشويه، وبالتالي لم يجدوا أمامهم إلا السنة من أجل تشكيك المسلمين في عقيدتهم وصحيح دينهم.

 

*لكن موجة الطعن وإثارة الشبهات ضد السنة تبدو شديدة الشراسة؟

 

* هؤلاء الذين يهاجمون السنة النبوية، وجدوا فيها بابًا للطعن في الإسلام بشكل عام، ولو كان لدى هؤلاء إيمان أو عقيدة أو حتى إنصاف، ولو قرأوا القرآن مرة واحدة لتيقنوا أن السنة النبوية مصدر وثيق بكتاب الله، ولأدركوا أنها صنو القرآن، لكنهم لمرض في قلوبهم لم يجدوا أمام إلا السنة مستغلين وجود ما يسمى بتصنيفات متعددة وضعها علماؤها، منها الحديث صحيح أو الحسن أو الضعيف والموضوع، للنيل من السنة والطعن في حجيتها كيدًا للإسلام ومسعى لهدم مصدر مهم للتشريع، والنيل من المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم انطلاقًا من أن الطعن في صحابة الرسول والطعن في عدالتهم وهم ناقلو السنة ومن قبلها كاتبو الوحي ما هو إلا مرحلة للطعن في القرآن الكريم ذاته.

*إذا كان ذلك هو الهدف من الطعن في السنة، فكيف يتصدى لهم العلماء؟

**علماء الإسلام لم يتركوا الأمور تسير في الدرب الذي أراده أعداؤهم، بل غربلوا السنة غربلة، وبينوا الصحيح من الحسن من الضعيف، ولم يتركوا المجال لأحد للتعقيب عليهم؛ فالصحيح معروف، والحسن معروف، والضعيف كذلك، بل لا أكون مبالغًا حين أجزم بأنه لم يخدم علم من علوم الاسلام مثلم خدمت السنة المطهرة، فقد قيض الله لها رجالاً مخلصين عملوا في خدمتها وبينوا الصحيح من الضعيف ومن الموضوع، ووضعوا الأمور في نصابها وأصولها، وتصدوا بقوة للمغرضين الساعين للنيل من السنة النبوية والمتطاولين علي الصحابة بعد أن عجزوا عن تشويه الرسول صلى الله عليه وسلم، انطلاقًا من  أن صحابة النبي هم شهودنا الذين نقلوا السنة عن الرسول، وشهدوا أنهم سمعوا ذلك عنه، فهم يتطاولون على شهودنا ليبطلوا سنة حبيبنا وينكرونها، وهو ما يظهر بقوة في طعنهم المستمر في الصحابة الإجلاء، ومنهم أبو هريرة وغيره  من الصحابة، لأنهم يدركون أن هؤلاء هم رواة الإسلام، ومن ثم فالطعن في عدالتهم يوجه ضربة قوية للمصدر الثاني للتشريع ويفتح الباب للنيل من دين الله بشكل عام.

 


 *بم ترد على المشككين والمتطاولين على كتابي البخاري ومسلم؟

**هذا التطاول والتشكيك يأتي كحلقة في مسلسل الطعن في ثوابت وأعمدة الدين الإسلامية، ومحاولة النيل من السنة التي هي صنو القرآن الكريم، وقد جاءت مرحلة الطعن في البخاري والمسلم بعد إخفاق خصوم الإسلام وأعدائه في النيل من السنة والصحابة رواة الحديث، ومن ثم انتقلوا لمرحلة أخرى سعيًا لهز ثقة المسلمين في البخاري ومسلم، والنيل من إجماع المسلمين على كون صحيحي البخاري ومسلم هما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، ونبينا محمد صلي الله عليه وسلم كرس حالة الإجماع هذه بقوله "قضى الله تعالي أنه لا تجتمع أمتي على ضلاله"، وقد أجمعت الأمة على  أن أصح الكتب بعد القرآن صحيح الإمام البخاري، يليه صحيح الإمام مسلم.

*لكن هناك من يقول إن علماء الحديث اهتموا بالإسناد أكثر من اهتمامهم بالمتن؟


**علماء الإسلام والحديث اهتموا بالإسناد اهتمامًا كبيرًا واهتموا بالمتن اهتمامًا كبيرًا، دراسة وتحقيقًا ونقدًا، وتكلموا في كل كلمة وردت في سنة النبي صلي الله عليه وسلم، وما كان هناك من أمر شق عليهم أو لم تصل إليهم عقولهم، عرضوه علي كتاب الله فإن لم يوافقه أو يوافق أصول التشريع الأخرى، وصفوه بالضعف أو الموضوع، وحسموا أمرهم في كل كلمة لها علاقة بالسنة، وقطعوا الطريق على أي طاعن، أو متأول، وتعرضوا للسنة أعظم تعرض وغربلوها أفضل غربلة ونقحوها وبينوا كل ما فيها.

*إذا كانت السنة قد حظيت بهذا الاهتمام، فلماذا إذن التشكيك في المتون والأسانيد؟


**هذا الاتهام باقتصار الاهتمام بالسند دون المتن، يعد تطاولاً على السنة وكذبًا على العلماء، لاسيما أن الاهتمام بالسند يشكل تقوية للمتن ودليلاً على حجته، فإذا كان الشهود من رواة الحديث عدولاً، والناقل ثقة، وتحققنا من هذا بكل الوسائل، فهذا تأكيد لا يقبل الشك على أن هذا  المتن خرج من شفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فإني أعتبر أن معركة المتون والأسانيد ما هي إلا رغبة في إهالة التراب على السنة كمقدمة للنيل من القرآن، وهذا كله هراء لا قيمة له.

*لكن خصوم ومنكري السنة ركزوا على هذا الأمر كثير ولم يقتنعوا بما ساقه علماء الحديث من ردود عليهم؟


**القول بأن العلماء لم يعتنوا بنقد المتن، ادعاء لا دليل عليه، بل يحمل في طياته فضيلة، وهي لو أنهم قالوا إن العلماء لم يعتنوا بسند الحديث أي رواته الذين نقلوه لكان طعنًا في الحديث شديدًا، لكنهم لم يجدوا ما يساعدهم على ذلك، لأنهم في كتب تاريخ الرواة لم يجدوا ثغرة ومجالاً للطعن على السند لذلك اتجهوا إلى الطعن في المتن، في حين إن العلماء المحدثين اهتموا كثيرًا بنقد متن الحديث كما اهتموا بالسند، لكن المهاجمين للسنة لم يرجعوا للكتب التي وضعت في نقد الحديث مثل: "الإجابة فيما استدركته على الصحابة" وغيره، ما يؤكد عناية المحدثين بنقد الأسانيد وتمييز المروي مما يقبل منه وما يرد، بحيث لم يدعوا زيادة لمستزيد، وقد تركوا لنا في نقد الرجال ثروة هائلة ضخمة.


*لم تتوقف الحرب عند حد التشكيك في المتن، بل امتدت حسب بعض المستشرقين إلى اعتبار الإسناد مناف للمنهج القرآني ومصادم للعقل؟

**الاسناد خصوصية من خصوصيات الأمة المحمدية، لولاه ما وصلنا إلى المتن، ولولاه لقال كل شخص ما شاء من أقوال،, ونسبها للرسول، وكيف يناهض الإسناد العقل في حين أنه هو السلم الذي نصعد به إلى السطح، فإذا لم يكن هناك سلم نصعد به للسطح، فكيف نصعد إليه؟، وقد امتازت الأمة المحمدية على الأمم الأخرى بذلك، فليس لدى غيرها إسناد، إنما هو خصوصية فاضلة من خصوصيات أمة الإسلام، وقد قالوا: "ميز الله هذه الأمة بالإسناد والأنساب والإعراب"، وبالتالي فإن أي تشكيك في الإسناد هو مناهض للعقل والشرع علي حد سواء، فكيف أقبل وأثبت متنًا بدون التيقن من عدالة الإسناد، بل أن الاهتمام بالاسناد هو تعضيد وتقوية للمتن، ومن ثم فإن مثل هذه الاتهامات باطلة ولا أساس لها.


*تنبى نفر من المستشرقين موقفًا معاديًا للسنة، عبر التأكيد بأنها لم تدون في عهد الرسول، ما يزيد الشك حول حجيتها، ويفتح الباب أمام وجود دوافع سياسية وراء تدوينها في عهد الخلفاء الراشدين؟

**هذا كذب صراح، فالسنة دونت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيدنا عبدالله بن عمر بن العاص يقول: كنت أكتب عن الرسول صلى الله عليه وسلم كل شيء أسمعه، حتى نهتني قريش، بدعوى أنه بشر يتكلم في الرضا والغضب، فراجعت الرسول في الأمر، فبادرني قائلاً: "والذي نفسي  بيده (وأشار إلى فمه) ما خرج منه الا حق"، وأمرني باستمرار التدوين، ولعل من يردد هذه الفرية  من المستشرقين يستندون إلى حديث روي في صحيح الإمام مسلم: "لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه"،  متجاهلين عن عمد أن المقصود بـ "لا تكتبوا عني"، موجهة لكتاب القرآن ولكتاب الوحي، حيث حثهم على الاقتصار على تدوين القرآن فقط وعدم كتابة أي شيء آخر معه حتي لا يختلط القرآن بالسنة.

*هذا يدعونا للتساؤل عن وجود أقوال منسوبة للنبي تعاضد وجهة نظرك بأن السنة دونت في عهده؟


**لقد روى سيدنا عبدالله بن عمرو بن العاص حديثًا عن رسول الكريم يقول فيه: "قيدوا العلم، فقالوا: بما تقييده يا رسول الله؟، فرد بالكتابة"، وأشار بيده، في تأكيد على أن تدوين السنة بدأ في عهده صلي الله عليه وسلم، وقال آخر بينما نحن حول رسول الله نكتب إذا سأله سائل: "يا رسول الله أي المدينتن تفتح أولاً قسطنينية أورومية؟، فقال النبي بل مدينة هرقل أولاً"، ولفظة: "بينما نحن حول رسول الله نكتب"، فيها إشارة وتأكيد على أن النهي كان مقتصرًا بادئ الأمر خوفًا من اختلاط القرآن بالسنة، وفي ظل ندرة أدوات الكتابة وقلة الكتبة، فأراد الرسول منهم عبر هذا الحديث أن يتفرغوا لكتابة القرآن، وعندما أردوا الاستزادة من السنة ووجدوا حاجتهم الماسة لها، لتسيير شئون دينهم ودنياهم أمرهم الرسول بالكتابة.


*لكن المستشرقين لم يملوا من العزف على وتر وجود شبهة وجود تعارض بين القرآن والسنة في عديد من المواضع، بل وبين دفات السنة نفسها؟

**لقد تصدى علماؤنا الأفاضل لهذه الشبهة المزعومة، سواء كانت تعارضًا مزعومًا بين القرآن والحديث، أو بين الأحاديث بعضها البعض، ومن أمثلة التعارض الأول حسب زعمهم، أي التعارض بين القرآن والسنة أن يأمر الله بقراءة ما تيسر من القرآن في الصلاة: "فاقرأوا ما تيسر من القرآن"،‏ بينما الحديث يقول: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".‏ ‏

*وكيف نرد على هذه الشبهة؟

**هذا لا يمكن أن يسمى تعارضا أبدًا، ولكنه تخصيص للعام اتساقًا مع  بديهيات علوم الشريعة، فأمر القرآن عام خصصته السنة النبوية، ومثله قول القرآن "وأحل الله البيع وحرم الربا"، فهو عام في كل أنواع البيع، لكن الحديث الشريف جاء ليخصص أنواعًا بعينها بطريقة في البيع والشراء، قائلاً:‏ "الذهب بالذهب مثلاً بمثل ويدًا بيد والفضل ربا إلخ"،‏ ولا تعارض لأن السنة وهي المذكرة التفسيرية والتفصيلية لما يجمل في القرآن كما تصرح الآية "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" .‏

*هل لك أن تتوسع في الرد على شبهات التعارض المزعوم بين القرآن والسنة؟


**هناك مسائل كثيرة تحدث عنها المستشرقون كشبهة استثناء الخاص من العام، لقوله تعالى "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً"، ثم يأتي الحديث ليقيد حج النساء باشتراط أن يكون مع المرأة محرمًا: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها"،‏ فهذا استثناء للخاص من العام وأيضا لا تعارض فيه، وقد حظت هذه الشبهات المزعومة باهتمام كبير من علماء الحديث، وتم الرد عليها بتصانيف متعددة، تحول معها الأمر من  مواطن شبهة كما يتلمس خصوم السنة إلى مصدر سعة وثراء تيسيرًا على المسلم، وهو أمر يصب في صالح السنة لا أن يؤخذ عليها.

*خصوم السنة مما يطلق عليهم القرآنيون تحدثوا كثيرًا عن افتقادها للحجية كمصدر للتشريع، وطالبوا بعرض ما جاء فيها على كتاب الله؟

**هناك نوعان من الخبر يصدر عن رسول الله؛ الأول ما يوافق الكتاب، وهذا يعمل به، ومنه ما يخالف كتاب الله فيرد، بل لا يمكن أن يقول بذلك مسلم، لأن في ذلك اتهامًا للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه يمكن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن، وهو القائل: "إذا روي لكم حديث فاشتبه عليكم هل هو من قولي أو لا فاعرضوه على كتاب الله، فإن خالفه فردوه، فإنه ليس من قولي"، ولبيان إعوجاج ما استند إليه "القرآنيون" في هذا الحديث للطعن في السنة نؤكد أن معني الحديث: "إذا روي لكم حديث فاشتبه عليكم هل هو من قولي أو لا فاعرضوه على كتاب الله، فإن خالفه فردوه فإنه ليس من قولي"، وهذا هو نفسه الذي يقوله أهل العلم عندما يتكلمون عن علامات الوضع في الحديث، فإنهم يذكرون من تلك العلامات أن يكون الحديث مخالفًا لمحكمات الكتاب، ولذلك قال: "فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عني".

*هل يجب أن تكون السنة موافقة للقرآن بشكل تفصيلي أم أن الموافقة قد تكون إجمالية؟


** السنة الصحيحة لابد وأن تكون موافقة للقرآن غير مخالفة له،  فلا يلزم أن تكون هذه الموافقة موافقة تفصيلية في كل شيء، فقد تكون الموافقة على جهة الإجمال، فحين تبين السنة حكمًا أجمله القرآن أو توضح مشكلاً، أو تخصص عامًا،  أو تقييد مطلق، أو غير ذلك من أوجه البيان، فهذا البيان في الحقيقة موافق لما في القرآن غير مخالف له، بل إن الأحكام الجديدة التي أثبتتها السنة ودلَّت عليها استقلالاً هي أيضًا أحكام لا تخالف القرآن، لأن القرآن سكت عنها على جهة التفصيل، وإن كان قد أشار إليها وتعرض لها على جهة الإجمال حين قال: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".


*يزعم القرآنيون أن السنة النبوية ليست وحيًا من قبل الله -سبحانه - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه اجتهاد وتصرف من النبي - صلى الله عليه وسلم –كيف نرد على ذلك؟


**هناك إجماع من الأمة المسلمة على أن السنة النبوية الشريفة  وحي من قبل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن رسولنا لا ينطق عن الهوى،ـ وإجماع الأمة المسلمة على ذلك ليس صادرًا عن فراغ أو عن هوى، لكنه الحق الذي لا يعارضه إلا غوى مبين، وقد نسف القرآن الكريم هذه الشبهة في آيات قطعية الثبوت.

*هل لك أن توضح أدلة أكثر؟


** يقول تعالى: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (النجم:3-4)، ومن ذلك قوله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: "ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحـد عنه حاجزين" (الحاقة:44-47).


وهذه الآيات تتضمن أمرًا من الله للمؤمنين باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر وما ينهى، من ذلك قول الله - تبارك وتعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" (الحشر:7)، وقول الله سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم" ( محمد:33).

*هل يمكن اعتبار إجماع الصحابة على حجية السنة هو أفضل رد على منكريها؟


**هناك إجماع من الأئمة كلهم على أن السنة وحي من قبل الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة صحابته رضي الله عنهم أجمعين، حيث كانوا في حياته الشريفة يحفظون أقواله صلى الله عليه وسلم، ويتذاكرونها فيما بينهم، وكانوا يتحرون الاقتداء به في كل ما يأتي وما يذر، فيما ليس بخصوصية له، مستجيبين لتوجيه الله تعالى في قوله لأمة الإسلام: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا".


*ما هي أبرز المؤلفات في مجال علم الحديث؟

** منهم من ألف في الثقات كابن حبان، ومنهم من ألف في الضعفاء، ومنهم من ألف في الطبقات عمومًا مثل محمد بن سعد كاتب الواقدي. وقد ألف الإمام البخاري التاريخ الكبير والأوسط والصغير، اعتنى فيها بنقد المرويات، كما ألف أيضًا في الضعفاء والعلل، فله كتاب الضعفاء، وللنسائي أيضًا كتاب الضعفاء، وللإمام أحمد العلل ومعرفة الرجال، وللدارقطني علل الحديث.

ما الملمح الأبرز بين هذه المؤلفات؟

** تضمنت الكتب اصطلاحات خاصة يعرف بها الضعيف المردود والصحيح المقبول، ولم يكتفوا في نقدهم للرجال بالتجريح الظاهري، بل عنوا أيضًا بالنقد النفسي، يدل على ذلك تفريقهم بين رواية المبتدع الداعية إلى بدعته وغير الداعية إليها، فردوا رواية الأول وقبلوا رواية الثاني،, لأن احتمال الكذب في الأول قريب لتأييد بدعته، وقبلوا رواية المبتدع الداعية إذا روي ما يخالف بدعته، لأن احتمال الكذب من الناحية النفسية بعيد جدًا في هذا، بخلاف مقابله.

اضافة تعليق