الاستثمار الأعظم.. الإنسان هو البضاعة الأربح

السبت، 29 سبتمبر 2018 01:24 م
الاستثمار


مع بداية العام الدراسي الجديد، يدق الباب طارق الممارسة المعهودة لطرق التعليم في بلادنا، التي أخذت منحى غريب الشكل والأطوار خلال الفترة الأخيرة.

فقد تغيرت وجهة الأب القادر من المدارس الحكومية إلى المدارس الدولية والمدارس اليابانية والإيطالية وغيرها.


بينما الطلاب استغنوا بعض الشئ عن المدارس، واستعاضوا عنها بالمراكز التعليمية أو "السناتر" كما يسمونها، من أجل تحقيق أعلى الدرجات، والالتحاق بالكليات التي يأملون الدراسة بها، والوجهة الأساسية لهم هو المدرس الأكثر شهرة في هذا المضمار.

لكن ما علاقة هذا بالاستثمار!

 

لقد أظهرت الدراسات أن "تقدم الأمم يقاس تاريخيًا، وخصوصًا الــــيوم، بتقدم أبنائها، فالإنسان أعظم رأس مال بالنسبة لأي أمة. فقد أكدت جميع المؤسسات الاقتصادية والمالــــية الدولية، أن العامل الحاسم في التقدم هو الاستثمار الكثيف في البشر، أو ما يسمى بناء رأس المال البشري، أو توفير الموارد البشرية الملائمة، كمّا كافيًا، ونوعًا عاليًا".


و"التنمية الإنسانية هي تنمية الناس ومن أجل الناس، ومن قِبل الناس"، كما ورد في سياق تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 الذي أصدره برنامج _  الأمم المتحدة الإنمائي.

علاء الدين الأعرجي، الباحث العراقي المقيم في نيويورك يقول
إن "أممًا متقدمة، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وتايلاند، التي سميت بلدان النمور الآسيوية، كان معظمها أكثر تخلفًا من البلدان العربية في منتصف القرن الماضي، كما أنها تفتقر إلى معظم الثروات الطبيعية تقريبا، خصوصا مصادر الطاقة. ورغم ذلك تمكنت، بفضل الاستثمار في الرأسمال البشري، خصوصًا بواسطة استحداث قدرات جيل جديد من أبنائها، خضع لتعليمٍ مكثــف ومتقدم؛ تمكنت من بناء صناعة عصرية متقدمة، بل أصبحت تنافس أكبر الدول الغربية تقدمًا. فسنغافورة مثلاً لا تمتلك أي موارد طبيعية، ومع ذلك تشير نتائج الدراسات المقارنة إلى أنه خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة عقود، أصبح معدل نمو الإنتاجية الكلية لعناصر الإنتاج هي الأعلى في العالم، تليها تايلاند ثم ماليزيا".

ويستطرد قائلاً: "لماذا حصل ذلك؟ لأننا قصّرنا في أمورٍ كثيرة، منها على سبيل المثال: لم نأخذْ بناصية العلم والتكنولوجيا منذ البداية، ولأننا لم نخلق قاعدة تربوية رصينة لأولادنا، وتمسكنا بقشور تراثنا وتركنا أصوله التي تدعو إلى أخذ الحكمة من أي وعاء خرجت". 

هذا هو الهدف والغاية عبر الأزمان، فالأمر ليس جديدًا تمامًا، بل هو قديم قدم البشرية، فقد أرسل الله الأنبياء والمرسلين ليعلموا الناس الكتاب والحكمة على مر العصور.

ففي كتاب صانع التلاميذ الأعظم يتحدث د. حنا ش شاهين عن أن المسيح كانت صناعته الأولى هي هؤلاء الرجال الذين خلّفهم من وراءه، يقول:

"من الأسهل جدًا أن تعلم شخصًا مقررًا دراسيًا عن كيفية قراءة الكتاب المقدس على أن تقضي يومًا تلو الآخر معه في قراءة الكتاب نفسه، وباختصار لا يمكن للمرء أن يحصي الفروق الناشئة عن استثمار لنفسه، فاستثمار الذات في تعليم مقرر دراسي حتى إذا كان بشكل يومي وفي تطبيق ذلك المقرر في حياته الشخصية أمام تلاميذه استثمار مكلف جدًا فالمكافآت أكبر بكثير".

فالتفكير في الاستثمار أول ما يطرأ على الأذهان يأخذنا بعيدًا إلى حيث شراء الأراضي والعقارات بل والاستثمار في أسواق البورصة وشراء العملات النقدية أو حتى شراء الذهب والفضة، لكن الاستثمار الحقيقي هو أن تستمروا في أبنائكم، لا لأبنائكم. 

جون ألفرد بولسون، الملياردير الأمريكي الذي يشغل منصب رئيس شركة "بولسون أند كو"، ومقرها نيويورك، وهي شركة لإدارة الاستثمارات أسسها في العام 1994، هو واحد من أبرز النماذج التي يمكن اتخاذها مثالاً على كيف أن الاستثمار في البشر ربحه مضمون، ولا مجال فيه للمراهنة.

إذ أنه واحد من أكثر الأسماء البارزة في عالم المال والاقتصاد، كما أنه أحد الأشخاص الذين جمعوا أكبر الثروات في تاريخ "وول ستريت"، إذ قدرت مجلة "فوربس" ثروته بنحو 5 .13 مليار دولار.

ولد جون بولسون في الرابع عشر من شهر ديسمبر من العام ،1955 في منطقة "كوينز" بمدينة نيويورك، وفي العام 1973 التحق بجامعة "نيويورك" لدراسة الكتابة الإبداعية وإنتاج الأفلام والفلسفة، لكنه لم يكمل دراسته ليسافر إلى أمريكا الجنوبية ويعيش مع عمه الثري في الإكوادور والذي علمه أصول الاستثمار وكيفية التعامل مع الأموال.

أسس بولسون مشروعًا تجاريًا مشتركًا مع والده لبيع ملابس الأطفال للمتاجر في نيويورك، ولاحقًا تشعبت تجارته لتشمل أرضيات الباركيه الخشبية.

ونظرًا لأن مشروعه التجاري لم يكن يوفر له تدفقات مالية ثابتة، قرر بولسون العودة إلى مقاعد الدراسة، ليكمل تعليمه في جامعة نيويورك، وفي العام 1978 تخرج بامتياز حاصلاً على شهادة في إدارة الأعمال، وفي العام 1980 حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد.

بعد التخرج، بدأ بولسون مشواره المهني مع "مجموعة بوسطن للاستشارات" كباحث ومستشار مالي، إلا أنه ما لبث أن غادرها لينضم إلى شركة "أوديسي بارتنرز"، ثم انتقل إلى شركة "بير ستيرنز" ليعمل في قسم الاندماج والاستحواذ، وبعدها انضم إلى شركة "جروس بارتنرز".

في العام ،1994 أسس بولسون شركته الخاصة "بولسون أند كو"، برأسمال بلغ مليوني دولار وموظف واحد، وبحلول العام 2003 نمت الشركة ليبلغ حجم أصولها 300 مليون دولار.
 
خلال الأزمة المالية العالمية، ربح بولسون 7 .3 مليار دولار في سنة واحدة فقط، بعد أن راهن على انهيار قطاع الإسكان في الولايات المتحدة، واحتمال تزايد عدد الأمريكيين الذين سيتعثرون في تسديد مدفوعاتهم الشهرية للمؤسسات العقارية .

بين العامين 2009 و،2011، قدم بولسون العديد من التبرعات الخيرية، من بينها 15 مليون دولار لمركز "سي آر إل"، و20 مليون دولار مدرسة ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، إضافة إلى تبرعه بمبلغ 15 مليون دولار لبناء مستشفى للأطفال في مدينة "جواياكيل" بالإكوادور، و5 .2 مليون جنيه إسترليني لكلية لندن للاقتصاد، من قبيل الاعتراف بقيمة العلم ورد الجميل لتلك المدرسة التي علمته وغيرت حياته للأفضل.


اضافة تعليق