هل يرد المؤمنون النار؟.. الشعراوي يجيبك

السبت، 29 سبتمبر 2018 10:18 ص

في سياق تفسيره لقول الله تعالى "وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا" [مريم: 71]، قال العلامة الراحل، الشيخ محمد متولي الشعراوي، إن العلماء اختلفوا في معنى كلمة "ورود".

إذ أشار إلى أن هناك من رأى أنها بمعنى أن تذهب إلى مصدر الماء، وليس بالضرورة أن تشرب وألا تشرب، لكن علماء آخرين قالوا إنه يأتيه ويشرب منه.

وأوضح الشعراوي أن القرآن عربي جاء على نسق الكلام العربي، حيث يقول الشاعر:
وَلَمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمامُه         وَضَعْنَا عِصِيَّ الحاضِرِ المتَخَيِّمِ.

أي: حينما وصلوا إلى الماء ضربوا عنده خيامهم، فساعة أن وصلوا إليه وضربوا عنده خيامهم لم يكونوا شربوا منه، أو أخذوا من مائه، فمعنى الورود أي: الوصول إليه دون الشرب من مائه.

وأضاف: ويستدل على ذلك بقول الله تعالى في قصى موسى: "وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ"، [القصص: 23] ذهب إلى مكان الماء، لكنه لم يشرب أو يأخذ منه.

لكن هناك من أشار إلى معنى آخر، مدللاً بقول الله تعالى "يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ"، [هود: 98] أي: أدخلهم، لكن هذا يخالف النسق العربي الذي نزل القرآن به.

وقال إن أصحاب هذه الرأي الذين يقولون "وَارِدُهَا" [مريم: 71] أي: داخلها يستدلون كذلك بقوله تعالى: "ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" [مريم: 72] يقولون: لو أن الورود مجرد الوصول إلى موضع الماء دون الشرب منه أو الدخول فيه ما قال تعالى: "وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا" [مريم: 72]، ولِقَال: ثم يُنجِّي اللهُ الذين اتقوا ويُدخِل الظالمين.. لكن "وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ" [مريم: 72] فيها الدليل على دخولهم جميعًا النار.

وأوضح أنه على الرأي الأول: الورود بمعنى رؤية النار دون دخولها، تكون الحكمة منه أن الله تعالى يمتن على عباده المؤمنين فيُريهم النار وتسعيرها؛ ليعلموا فضل الله عليهم، وماذا قدَّم لهم الإيمان بالله من النجاة من هذه النار، كما قال تعالى: "فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ" [آل عمران: 185].

وأشار إلى أنه "يمكن فهم الآية على المعنى الآخر: الورود بمعنى الدخول؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى خلق الأشياء، وخلق لكل شيء طبيعةً تحكمه، وهو سبحانه وحده القادر على تعطيل هذه الطبيعة وسلبها خصائصها".

وضرب مثلاً بقصة إبراهيم عليه السلام، فيكون دخول المؤمنين النارَ كما حدث مع إبراهيم، وجَعْلها الله تعالى عليه بَرْدًا وسلامًا، وقد مكَّنكم الله منه، فألقوه في النار، وهي على طبيعتها بقانون الإحراق فيها، ولم يُنزِل مثلاً على النار مطرًا يُطفِئها ليوفر لهم كل أسباب الإحراق، ومع ذلك ينجيه منها لتكون المعجزة ماثلةً أمام أعينهم.وكما سلب الله طبيعة الماء في قصة موسى عليه السلام فتجمد وتوقفت سيولته، حتى صار كل فِرْقٍ كالطوْد العظيم، فهو سبحانه القادر على تغيير طبائع الأشياء. إذن: لا مانع من دخول المؤمنين النارَ على طريقة إبراهيم عليه السلام "قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَٰمًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ" [الأنبياء: 69].

اضافة تعليق