كيف يحبك الله؟.. الشعراوي يجيبك

الخميس، 27 سبتمبر 2018 11:33 ص


في تفسيره لقول الحق سبحانه وتعالى: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، يقول العلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي، أن كل "قل" في القرآن دليل على أن بلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، بلاغ للأمر وللمأمور به.

وأضاف: "كان من الممكن أن يقول الرسول "إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، ويكون قد أدى المأمور به، ولكنه لم يؤد الأمر، فالأمر في "قل" والمأمور به "إن كنتم تحبون الله"، وكأن الرسول بلغ الأمر وبلغ المأمور به، مما يدل على أنه مبلغ عن الله كل ما بلغه منه.

وتابع: "فالذين يقولون: يحب أن تحذف "قل" من القرآن، وبدلاً من أن نقول: "قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ" نقول: "الله أحد"، أنك تريد أن يكون الرسول قد أدى المأمور به ولم يؤد الأمر".

وأشار إلى أن قوله: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله"، تدل على ماذا؟ لابد ادعوا أنهم يحبون الله، ولكنهم لم يتبعوا الله فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنهم جعلوا الحب شيئًا، واتباع التكليف شيئا آخر، الله سبحانه وتعالى له على خلقه إيجاد، وإمداد، وتلك نعمة، وله على خلقه فضل التكليف؛ لأن التكليف إن عاد على المُكَلّف ولم يعد منه شيء على المُكَلِّف، فهذه نعمة من المكلِّف".

وأوضح أن "الحق لا يحتاج إلى أحد ولا من أحد، إنما يريد لنا قانون صيانة حياتك، وقد ضربنا المثل- ولله المثل الاعلى - بالآلة المصنوعة بأيدي البشر، المهندس حين يضع لها قانون الصيانة، افعل كذا ولا تفعل كذا، وادر كذا، ولا تدر كذا، واختار لها مكانًا محددًا، وأسلوبًا منظمًا للاستخدام، فهل هذا يعود على المهندس بشيء؟، إنما يعود على المنتفع بالصنعة، إذن فهي نعمة منه".

وقال الشعراوي إن "لله إيجاد، ولله إمداد، ولله تكليف، ضع التكليف في خدمة الإيجاد والإمداد، لأنه إن لم يعطنا نظام حركة الحياة في افعل ولا تفعل يفسد علي الإيجاد والإمداد، من تمام نعمة أن يوجد التكليف، فإن كنت قد أنصفت الله فأحببته للإيجاد والإمداد، فأنصفه أيضًا من ناحية قبول التكليف، وتحبه من أجل المكلف".

وتابع: "أنت تحب الله، لكن فرق بين أن تحب الله، وأن يحبك الله، إن التكليف على أنه عملية شاقة، فيبدو شاقًا عليك فتهمل التكليف؛ لذلك نقول: لا يكفي أن تحب الله لنعمة إيجاده وإمداده؛ لأنك بذلك تكون أهملت نعمة تكليفيه التي تعود عليك بالخير، إن نعمة التكليف الخير عندما تؤديها".

واستطرد قائلاً: "من الجائز أن تجد حب ربنا للإيجاد والإمداد، لكن الله يتوقف حبه لك على أن تعرف نعمته في التكليف، فإن الله يحب العبد الذي يعرف قيمة النعمة في التكليف، ونحن نرى إنسانًا يحب إنسان آخر، لا يبادله العاطفة، والمتنبي قال: أنت الحبيب ولكني أعوذ به ** من أن أكون حبيبًا غير محبوب".

وذكر أن "المتنبي يستعيذ أن يحب واحدًا لا يبادله الحب، فكأن الذين يدعون أنهم يحبون الله، لأنهم عبيد إحسانه إيجادًا وإمدادًا، ثم بعد ذلك يستنكفون، أولا يقدرون على حمل نفوسهم على أداء التكليف.. لهؤلاء نقول: أنتم قد منعتم شطر الحب لله، لأن الله لن يكلفكم لصالحه ولكنه كلفكم لصالحكم؛ لأن التكليف لا يقل عن الإيجاد والإمداد، لأن التكليف فيه صلاح الإيجاد والإمداد".

وعرف الشعراوي الحب بأنه "ودادة القلب وعندما تقيس ودادة القلب بالنسبة لله، فإننا نرى آثارها، وعملها، من عفو، ورحمة، ورضا، وعندما تقيس ودادة القلب من العبد إلى الله فإنها تكون في الطاعة".

وأكد أن "الحب الذي هو ودادة القلب يقدر عليه كل إنسان، لكننا مع ذلك نريد مع ودادة القلب ودادة القالب، نفذ ما يطلبه منك".

وأوضح أن "الحب المطلوب شرعًا لتعلموا أن ربنا قائم بالقسط، لا يكلف شططًا، ولا يكلف فوق الوسع أو فوق الطاقة".

وأشار إلى أن "الحب المراد لله في التكليف هو الحب العقلي، ولابد أن نفرق بين الحب العقلي والحب العاطفي، العاطفي لا يفنن له، لا أقول لك: عليك أن تحب فلانًا حبًا عاطفيًا، لأن ذلك لا قانون له، الإنسان يحب ابنه الغبي، يحبه بعاطفته، ويكرهه بعقله، وحينما يرى ابن جاره أو حتى ابن عدوه، وهو متفوق، فإنه يحب بعقله، لكنه لا يحبه بعاطفته، إذن هناك فرق بن حب العقل، وحب العاطفة".

وقال الشعراوي إن "التكليف دائمًا بالمقدور عليه وهو حب العقل، ومعنى حب العقل أن تسأل: لولا هذا الدين، ماذا كنت أفعل، ولو لم يكن هذا الرسول، كيف كنت سأكون؟ هذا هو حب العقل".

وتابع: "وقد يتسامى الحب فيصير بالعاطفة أيضًا، لكن المكلف به هو حب العقل، وليس الحب العاطفي، ولذلك يجب أن نفطن إلى ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

وروى أن سيدنا عمر وقف عندها، فقال: إنني أحبك أكثر من مالي، أو من ولدي، إنما من نفسي؟ ففي النفس منها شيء. وهكذا نرى صدق الأداء الإيماني من عمر، وكررها النبي صلى الله عليه وسلم ثانيًا، وثالًثا، ففهم أنه قد أصبحت تكليفًا وأن تكون من الحب المقدور عليه، وهو حب العقل، وليس حب العاطفة، فلما فهم ذلك من تكراره وهنا قال عمر: الآن يارسول الله؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر"، أي كمل إيمانك الآن، أي أن عمر فهم المراد بهذا الحب وهو الحب العقلي.

وذكر أن "الإنسان ينظر إلى الدواء المر طعمًا ويسأل نفسه هل أحبه أو لا؟ إن الإنسان يحب هذا الدواء بعقله، لا بعاطفته، إذن فحب العقل هو ودادة من تعلم أنه صالح لك ونافع لديك وإن كانت نفسك تعافه، وعندما تتضح لك حدود نفع بالشيء فأنت تحبه بعاطفتك إذًا فالمطلوب للتكليف الإيماني الحب العقلي".

وقال إنه "بعد ذلك يتسامى ليكون حبًا عاطفيًا، وهكذا يكون قول الحق: "إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله" وهذا الحب ليس دعوى. إن الإنسان منا عندما يدعى أنه يحب إنسانا آخر، فكل ما يتصل به يكون محبوبًا".

اضافة تعليق