كيف تكون مستجاب الدعوة؟.. الشعراوي يدلك إلى الطريق

الأربعاء، 26 سبتمبر 2018 10:46 ص


في تفسيره لقول الله تعالى: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ"، يقول العلامة الراحل، الشيخ محمد متولي الشعراوي، إن الله سبحانه وتعالى قال ذلك ليؤكد لعباده، أنهم ما داموا عبادًا فمن حقهم أن يدعوه.

وأضاف: لذلك جاء بعد ذلك "فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي"؛ لأن الدعاء يطلب جوابًا، ومادمت تطلب إجابة الدعاء فالله قد دعاك إلى منهجه فاستجب له إن كنت تحب أن يستجيب الله لك "فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي"، وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى في كلمة "ٱلدَّاعِ"، ولا يتركها مطلقة، فيقول: "إِذَا دَعَانِ" فكأن كلمة "داعي" تأتي ويدعو بها الإنسان، وربما اتجه بالدعوة إلى غير القادر على الإجابة.

وضرب مثلاً على ذلك بقول الحق في كتابه: "إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ"، فكأن الداعي قد يأخذ صفة يدعو بها غير مؤهل للإجابة، والحق هنا قال: "أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" أما إذا ذهب فدعا غير قادر على الوفاء فالله ليس مسئولاً عن إجابة دعوته.

وتابع: "الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا شيئًا هو أن الإنسان يدعو.. لماذا يدعو لأنه يدعو بالخير لنفسه، الخير لنفسك أنت لا تستطيع أن تحدده؛ لأنك قد تنظر إلى شيء على أنه الخير وهو شر، وما دمت تدعو، لأنك تظن أن ذلك هو الخير".

واستدرك الشعراوي قائلاً: "إذن فملحظية الأصل في الدعاء هي أنك تحب الخير، ولكنك أخطأت الطريق إلى الخير أو الوسيلة إلى الخير، أنت تحب الخير لا جدال، ولكنك ظننت الخير في هذه، الخطأ جاء لا في حبك الخير، ولكن في ظنك أن الخير في هذه".

وتابع: "ولذلك تكون إجابة ربك لدعائك، أن يمنع إجابة دعوتك لأنها لا تصادف الخير بالنسبة لك، ولذلك يجب ألا تفهم أنك حين تدعو الله، ولم يستجب لك دعوتك كما رجوت وطلبت أن الله لم يستجب لك فتقول: لماذا لم يستجب الله لي؟. لا.. لقد استجاب لك، ولكنه نحَّى عنك حمق الدعوة، إذن يجيبك إلى الخير بألا يعطيك ما سألت".

وقال إن "المتفق عليه أن الإنسان لا يدعو إلإ بالخير يظنه، ومبدأ حب الخير، لكنه يخطئ في تقدير ذلك الخير، فالذي يدعوه هو حكيم؛ فيقول: " أنا سأعطيك الخير، والخير الذي أعلمه أنا فوق الخير الذي تعلمه أنت، ولذلك فمن الخير لك ألا تجاب إلى هذه الدعوة".

وضرب مثلاً على ذلك بأنه "قد يطلب منك ابنك الصغير أن تشتري له مسدسًا، هو يظن أن مسألة المسدس خير، لكنك تتلكأ وتؤخر الإجابة طلبه، وتقول له: فيما بعد تماطل ولا تأتيه بالمسدس، فهل عدم مجيئك بالمسدس له على وفق ما رأى الخير.. والسؤال: أهذا لأنك أردت به به الشر أم أردت به الخير؟.

واستدرك في رده على سسؤال: "الخير على مقدار حكمتك في تناول الأشياء.. وهو طلبه منك ودعاك لأن تأتي به على قدر معرفته في خير الأشياء، لكن قدرت أنه طفل ويلهو مع رفاقه وقد يتعرض لأشياء تخرجه عن طوره وقد يتسبب في أن يؤذيه أحد، وقد يؤذي هو أحدًا بمثل هذا المسدس، وكذلك يكون حظك من الدعاء لا يُستجاب لأن ذلك قد يرهقك أنت.. والحق سبحانه وتعالى يقول: "وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً"، ولذلك يقول سبحانه: "سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ".

وأوضحح أن "العلماء يقولون بأن الدعاء إن قصدت به الذلة والعبودية يكون جميلاً، أما الإجابة فهي إرادة الله، وأنت إن قدرت حظك من الدعاء في الإجابة عليه فأنت لا تُقدر الأمر".

وأشار إلى أن "حظك من الدعاء هو العبادة والذلة لله؛ لأنك لا تدعو إلا إذا اعتقدت أن أسبابك كبشر لا تقدر على هذه، ولذلك سألت من يقدر عليها، وسألت من يملك، ولذلك يقول الله في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

وساق ما قلته عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم "لقد سألت رسول الله إذا صادفت ليلة القدر فقالت: إن أدركتني هذه الليلة بماذا أدعو؟.. انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علم أم المؤمنين عائشة أن تدعو بمقاييس الخير الواسع فقال لها: قولي: "اللهم إنك تحب العفو فاعف عني".

وشدد على أنه "لا يوجد جمال أحسن من العفو، ولا يوجد خير أحسن من العفو، فلا أقول أعطني، أعطني؛ لأن هذا قد ينطبق عليه قول الحق: "وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً"
وقال في رده على من يقول: "لقد دعوت ربي فلم يستجب لي"؟، "لا تكن قليل الفطنة فمن الخير لك أنك لا تُجاب إلى ما طلبت فالله يعطيك الخير في الوقت الذي يريده، وبعد ذلك يترك الحق لبعض قضايا الوجود في المجتمع أن تجيبك إلى شيء ثم يتبين لك منه الشر، لتعلم أن قبض إجابته عنك كان هو عين الخير، ولذلك فإن الدعاء له شروط، فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى الطيب من الرزق".

وأورد ما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة قوله: "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغُذِي بالحرام فأني يستجاب له".

وقال "إن الرسول يكشف أمامنا كيف يفسد جهاز الإنسان الذي يدعو، لذلك فعدم إجابة الدعوة إما لأن جهاز الدعوة جهاز فاسد، وإما لأنك دعوت بشيء تظن أن فيه الخير لك لكن الله يعلم أنه ليس كذلك، ولهذا يأخذ بيدك إلى مجال حكمته، ويمنع عنك الأمر الذي يحمل لك الشر".

وأوضح أن "هناك شيئًا آخر، قد يحجب عنك الإجابة، لأنه إن أعطاك ما تحب فقد أعطاك في خير الدنيا الفانية، وهو يحبك فيُبقي لك الإجابة إلى خير الباقية، وهذه ارتقاءات لا ينالها إلا الخاصة، وهناك ارتقاءات أخرى تتمثل في أنه ما دام الدعاء فيه ذلة وخضوع فقد يطبق الله عليك ما جاء في الحديث القدسي: "ينزل الله تعالى في السماء الدنيا فيقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: مَنْ يقرض غير عديم ولا ظلوم".

وأكد "لأن الإنسان مرتبط بمسائل يحبها، فما دامت لم تأت فهو يقول دائمًا يا رب. وهذا الدعاء يحب الله أن يسمعه من مثل هذا العبد فيقول: " إن من عبادي من أحب دعاءهم فأنا أبتليهم ليقولوا: يا رب ". إن الإنسان المؤمن لا يجعل حظه من الدعاء أن يجاب، إنما حظه من الدعاء ما قاله الحق: "قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ".

وقال إن "معنى الربوبية والمربوبية أن تقول دائما: " يا رب ". وأضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ الأب قد يعطي ابنه مصروف اليد كل شهر، والابن يأخذ مصروف اليد الشهري ويغيب طوال الشهر ولا يحرص على رؤية والده. لكن الأب حين يعطي مصروف اليد كل يوم، فالابن ينتظر والده، وعندما يتأخر الوالد قليلاً فإن الابن يقف لينتظر والده على الباب؛ لقد ربط الأب ابنه بالحاجة ليأنس برؤياه".

وذكر أن "الحق سبحانه يضع شرطا للاستجابة للدعاء، وهو أن يستجيب العبد لله سبحانه وتعالى فيما دعاه إليه. عندئذ سيكون العباد أهلاً للدعاء، ولذلك قال الحق في الحديث القدسي: "مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

وضرب مثلاً على ذلك بسيدنا إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، قال له جبريل: ألك حاجة؟. لم ينف أن له حاجة، فلا يوجد استكبار على البلوى، ولكنه قال لجبريل: أما إليك فلا، صحيح أن له حاجة إنما ليست لجبريل، لأنه يعلم جيداً أن نجاته من النار المطبوعة على أن تحرق وقد ألقي فيها، هي عملية ليست لخلق أن يتحكم فيها ولكنها قدرة لا يملكها إلا من خلق النار. فقال لجبريل: أما إليك فلا، وعلمه بحالي يغني عن سؤالي. لذلك جاء الأمر من الحق: " قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ".

وتابع: "لنتعلم من الإمام علي كرم الله وجهه حين دخل عليه إنسان يعوده وهو مريض فوجده يتأوه، فقال له: أتتأوه وأنت أبو الحسن. قال: أنا لا أشجع على الله.

وقال إن قوله: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي" تعني ضرورة الاستجابة للمنهج، " وَلْيُؤْمِنُواْ بِي" أي أن يؤمنوا به سبحانه إلهًا حكيمًا، وليس كل من يسأل يستجاب له بسؤاله نفسه؛ لأن الألوهية تقتضي الحكمة التي تعطي كل صاحب دعوة خيراً يناسب الداعي لا بمقاييسه هو ولكن بمقاييس من يجيب الدعوة.

وذكر أن الحق الآية يذيل الآية بقول: "لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" فما معنى "يَرْشُدُونَ"؟ إنه يعني الوصول إلى طريق الخير وإلي طريق الصواب. وهذه الآية جاءت بعد آية "شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ" كي تبين لنا أن الصفائية في الصيام تجعل الصائم أهلاً للدعاء، وقد لا يكون حظك من هذا الدعاء الإجابة، وإنما يكون حظك فيه العبادة، ولكي يبين لنا الحق بعض التكليفات الإلهية للبشر فهو يأتي بهذه الآية التي يبين بها ما يحل لنا في رمضان.



اضافة تعليق