د. عمرو خالد يكتب: تحفيز القرآن على العمل والإنتاج

السبت، 22 سبتمبر 2018 11:19 ص
اسليدر-د-عمرو


 أولى القرآن الكريم، اهتمامًا كبيرًا بالعمل، وحفّز عليه في أكثر من موضع، من خلال الدعوة للإنتاج والإعمار والبناء، حتى إن كلمة العمل وردت في ثلاثمائة وواحد وسبعين موضعًا بأكثر من صفة، فمثلًا جاءت لفظة "عَمِلَ": تسعَ عشـرة مرة، وجاءت لفظة "عَمِلُوا": ثلاثًا وسبعين مرة، وجاءت لفظة "تعملون" ثلاثًا وثمانين مرة، وجاءت لفظة "يعملون" ستًا وخمسين مرة. وجاءت لفظة "أعمالهم" سبعًا وعشرين مرة، هذا غير "يصنع"، و"اصنع"، و"يصنعون". 

 


وهو ما ينبغي معه أن نعيد قراءة القرآن الكريم من منطلق أنه كتاب مُعدٌّ للإنسان الذي سيعمل لتعمير الكون،وهو ما ينبغي معه أن نعيد قراءة القرآن الكريم من منطلق أنه كتاب مُعدٌّ للإنسان الذي سيعمل لتعمير الكون، خاصة إذا علمنا أن إشاراته إلى العمل هي أضعاف إشاراته إلى الصلاة ومشتقاتها في القرآن الكريم، والتي تقارب المائة، وفي أغلبية الإشارات ذكرت الصلاة مقرونة بالزكاة، وإن كان هذا لا يقلل من قيمة الصلاة، إلا أنه يؤكد على مدى ارتكاز هذا الدين على قضية العمل وأثرها في تفعيل دور الدين في الحياة.. 

وقد خُلقنا الله لإعمار الأرض ووهبنا الله أعمارنا لنقوم بهذه المهمة، "أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ"، ولن تكون مصادفة أن يكون الحوار مع الطرف الآخر الذين لم يذهبوا إلى "دار المقامة" متضمنًا تلك العبارة " أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ".

وبين الإعمار الذي هو طول "العمر"، والإعمار الذي هو عمارة الأرض علاقة وثيقة، فالثاني هو ما نفعله، والأول هو ما تمنحه لنا المشيئة الإلهية... والاثنان يرتبطان بشبه معادلة محكومة: الإعمار مقابل الإعمار.. إعمار الله لنا في الأرض مقابل أعمارنا لها.. طول أعمارنا في الأرض هدفه إعطاؤنا فرصة لإعمار الأرض. 

لابد كذلك أن نعيد قراءة كل آيات "وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" في القرآن، فهي لا تعني فقط "علموا الخيرات"، بل تشمل: أنتجوا، اخترعوا، بنوا، اكتشفوا، فتحوا مصانع، فتحوا أبواب رزق للناس. ولو أعدنا فهمها وقراءتها على هذا النحو سنُحدث ثورة دينية فكرية، نثبت بها أن القرآن كتاب عمل وإنتاج. 

القرآن كتاب إنتاج وعمل، ومن يقول غير ذلك، فعليه أن يراجع نفسه ويعيد فهمه وتدبر معانيه حتى يصحح المفاهيم المغلوطة لديه، التي تجعل البعض يقول إن الغرب لهم الدنيا ونحن لنا الآخرة.. التكنولوجيا هذه من الدنيا.. ينتجون ونحن نستفيد بها في الدنيا ثم ندخل الجنة وهم لن يدخلوها.. هذا فكر خاطئ، وهو عكس مراد الله في خلقه. 

وسورة العصر " وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ"، على قصر آياتها، فإنها تحتوي على رسالة عظيمة وبالغة الأهمية لناوسورة العصر " وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ"، على قصر آياتها، فإنها تحتوي على رسالة عظيمة وبالغة الأهمية لنا، فالعصـر في اللغة معناه ضغط الشـيء ليخرج أفضل ما فيه.. ومنها جاء معنى العصير، وهي ضغط الفاكهة لتعطي شرابًا حلوًا، ومنها أيضًا قوله تعالى: "وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً"، المعصـرات: "السحاب"، أي: يتعصـر السحاب لنخرج منه ماء حلوًا.

وكأن الله يقول لك: اعصر عمرك عصر، احذر من تضيع عمرك اعصره لتخرج أفضل ما فيه لخيرك وخير البشر، اعصـروا أعماركم أيها الناس وإلا لم تعصـروا أعماركم.. "إن الإنسان لفي خسر". 

وهناك أيضًا سورة "التين"، والتين هو رمز للثمرة التي تتحدى الأغصان المجدبة والقحط المسيطر، ورمز لما يمكن أن يفعله بعضنا عندما يقدمون الواجب على الحقوق، رمز لمن يعمل مهما كانت العوائق.. يعمل بلاتوقف.

أي مزارع يفهم فورًا مراد الله في قوله "وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ".. لماذا الزيتون..؟ الزيتونة شجرة معمرة، بل هي من أكثر الأشجار تعميرًا في العالم، بعض أشجار الزيتون يبلغ عمرها 1500 إلى 2000 عام.

الفرق أن الزيتون هو الشجرة الوحيدة التي تبقى تنتج، أما الأشجار المعمرة الأخرى تكف عن الإثمار، لتصبح بالتدريج عالة على البيئة المحيطة بها وعلى المجتمع، على خلاف الزيتون فهي تظل مثمرة منتجة مهما تطاولت القرون، مثلها مثل المشـروع الحضاري الذي يستنير بنوره عز وجل.. يبقى فاعلًا وقادرًا على أن يكون البوصلة والمنارة للناس.

وتختم سورة "التين" بالعمل.. "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، فلما نسى دوره "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ* إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"، إذن لابد أن نعيد قراءة القرآن بهذا المنظور.. اعمل لإعمار الأرض بهدف إرضاء الله. 

اضافة تعليق