ضرب التلاميذ للتقويم.. هل هو عقوبة شرعية؟

الأحد، 16 سبتمبر 2018 10:02 ص
resize



مع اقتراب بدء العام الدراسي، يثار الجدل حول قضية ضرب المدرسين للطلاب، خاصة وأن الأمر يصل في بعض الأحيان إلى أن الضرب يترك آثارًا على الجسد، أو يؤدي إلى الإصابة، أو الوفاة، نتيجة الضرب العنيف، وهو ما تكرر في أكثر من حالة خلال السنوات الماضية.


لكن يبقى السؤال الذي يسأله المعنيون بالعملية التعليمية، حول مدى السماح بمعاقبة الطالب في حال التقصير، ضربًا غير مبرح، على سبيل التأديب، وحتى لا يتمادى في التقصير في واجباته والمذاكرة، وهو ما دفع أحد المدرسين إلى التساؤل حول الحكم الشرعي العام لضرب المدرسين والمدرسات التلاميذ بالمدارس سواء العامة أو الأزهرية.

وقال الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية سابقًا، عضو هيئة كبار العلماء، إن "الإسلام دين العلم؛ فهو يدعو دائمًا إلى اتباع الوسائل العلمية الصحيحة التي ينصح بها المتخصصون في المجالات المختلفة، ولا يخفى أن الضرب ليس هو الوسيلة الأنفع في التربية كما يقرره كثير من علماء التربية والنفس؛ معللين ذلك بأن اعتماد الضرب وسيلة في التربية عادةً ما يولد السلوك العدواني لدى الطفل المعاقَب، فينظر لِمَن ضربه نظرةَ الحقد والكراهية، والعملية التعليمية يجب أن تقوم على التفاهم والحوار، ويجب على القائمين عليها أن يسلكوا السبل التربوية النافعة التي تُنجِحها".
وأضاف: "التعليم يهدف إلى نقل الخبرة والمعلومات والمناهج الدراسية من المدرس إلى الطفل، ويجب أن يتم ذلك في جَوٍّ من التفاهم، وحسب قواعد التربية الصحيحة الخالية من الأذى والبغض والكراهية، ولا يجوز أن تكون العلاقة بينهما علاقة خوف، بل يجب أن تكون قائمةً على المودة والحب والاحترام، فلا يجوز اللجوء لضرب الطفل مع وجود البدائل التربوية النافعة للتوجيه والتقويم ترغيبًا وترهيبًا".

وأشار إلى أن "النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المعلِّم الأول، ولم يرد عنه أنه ضرب طفلًا قط، وهو الأسوة والقدوة الحسنة الذي يجب على المعلمين أن يقتدوا بسيرته الكريمة العطرة في التربية والتوجيه، مدللاً بالحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ". أخرجه مسلم.

وأوضح جمعة أن "الطفل قبل البلوغ ليس مكلَّفًا ولا مدخل له في الحدود أو التعازير الشرعية، بل التعامل معه يكون على جهة التأديب والتربية فقط لا على جهة العقاب؛ لأن العقاب إنما يكون على ارتكاب المحرم أو ترك الواجب، والواجب ما يعاقب على تركه والمحرم ما يعاقب على فعله، وذلك في حق المكلَّف وحده، أما الصبي فإنما يُعَوَّد على فعل الواجبات وترك المحرمات ليألف ذلك عند البلوغ لا لأنها في حقه واجبات أو محرمات، فتأديبه على ترك الواجب أو فعل المحرم حينئذٍ من باب التربية والترويض لا العقاب".
وذكر أن الفقهاء منهم من نص على أن "ضرب الصبي لا يجوز أن يكون بالسوط والعصا ونحوهما، بل يكون باليد فقط تعبيرًا عن اللوم وإظهارًا للعتاب، ولا يجوز أن يكون بقصد الانتقام بل التأديب، ونصُّواْ على أنه يجب عليه أن يَتَّقِيَ المَقَاتِلَ ويبتعد عن الأماكن الحساسة والأماكن الشريفة التي يُشعِر الضرب فيها بالمهانة، كالوجه والرأس والنحر والفرج والقفا؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ" رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه".

وشدد على أنه "لا يجوز أن يكون الضرب مبرِّحًا ولا مُدمِيًا ولا مؤذيًا، كما نص بعض الفقهاء على أنه لا تجوز الزيادة على ثلاث ضربات؛ لِمَا رُوِي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمرداس المعلم: "إياك أن تضرب فوق الثلاث؛ فإنك إن ضربت فوق ثلاث اقتص الله منك".

وقال جمعة إن "هذا الحديث إن صح فإنه ليس دليلًا على إباحة الضرب بقدر ما هو تحذير من ممارسته بشكل مؤذٍ، وأنه إن خرج عن أن يكون إظهارًا للعتاب فهو غير جائز".

وذكر أن الضرب الذي ورد ذكره في بعض الأحاديث النبوية الشريفة؛ كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ" هو في الحقيقة "نوع من التربية والترويض والتأديب النفسي الذي يُقصَد به إظهارُ العتاب واللوم وعدم الرضا عن الفعل، وليس ذلك إقرارًا للجلد أو العقاب البدني، بل إن وُجِدَ فهو من جنس الضرب بالسواك الذي لا يُقصَد به حقيقة الضرب بقدر ما يُراد منه إظهار العتاب واللوم".
وأكد جمعة أنه "إذا صلح الضرب وسيلة للتربية بهذه الشروط والقيود في بعض البيئات فإن ذلك لا يعني صلاحيته لكل البيئات والعصور، بل ولا لكل الأحوال أو الأشخاص".


مع ذلك، أشار إلى أن "بعض المختصين يرون أن هذا النوع من الضرب الخفيف قد يكون وسيلةً ناجحةً للإصلاح التربوي، إن تمت مراعاة عُمْرِ الطفل المتعلم وموقفه وحالته النفسية، واستبعاد من لا يناسبهم الضرب كوسيلة للتربية، إلا أن ذلك لا يمكن ضبطه ولا السيطرة عليه وليس له معيار حسِّي يمكن من خلاله معرفة المخطئ فيه من المصيب، وقد يتخذه بعض المدرسين تُكَأَةً للضرب المبرح، أو للتنفيس عن غضبهم لا بغرض التربية، فيحدث ما لا تُحمَد عقباه من إصابة الطالب أو حتى وفاته ومن نشر الروح العدوانية بين المدرسين والطلاب وأهليهم".

وتابع: "ولذلك فإنا نرى أنه يُمنَعُ سدًّا للذريعة، هذا عن التلاميذ الذين لم يصِلُواْ إلى سن البلوغ والذين يصدق عليهم وصف الطفولة في المصطلح الفقهي والشرعي، وهم تلاميذ المراحل الأولية والابتدائية وغالب تلاميذ المرحلة الإعدادية وقليل من تلاميذ المرحلة الثانوية".

أما عن تلاميذ المرحلة الثانوية، فأشار إلى أن "التعامل معهم يكون من منطلق أنهم مكلَّفون بالغون، والبالغ لا يُضرَبُ إلا في الحد أو التعزير كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر وغيره، والتعزير له مواضعه المعروفة في الفقه الإسلامي، وهو أيضًا من سلطة ولي الأمر ولا يكون إلا بإذنه".

وأباح جمعة "إذا رأى ولي الأمر منع الضرب في المدارس بمراحلها المختلفة بل وتوقيع العقوبة على ممارسه فله ذلك شرعًا؛ لأن الشارع أجاز للحاكم تقييد المباح للمصلحة، هذا إذا كان مباحًا صرفًا فكيف وقد نتج عنه من الضرر ما لا يخفى، وصار بحيث لا يتميز حلاله من حرامه، وحينئذٍ فلا يجوز اللجوء إليه وفاعله آثمٌ شرعًا".

اضافة تعليق