كيف وضعت الهجرة حجر الأساس للتسامح وبناء دولة المواطنة؟

السبت، 15 سبتمبر 2018 03:42 م
الهجرة النبوية ودستور التعايش


أسست الهجرة النبوية لمبادئ التسامح الديني والتعايش بين الناس بمختلف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم، فكانت الهدف الرئيس انطلاقًا من قوله تعالى: "وجلعناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا"، وهو ما تحقق في أعقاب الهجرة النبوية، حينما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وأصبح الأساس التعارُف لا التناكر، والتكامل لا التصارع.

وجرت سنة الله سبحانه وتعالى في الخلق على التنوع والاختلاف، واقتضت حكمته استمرار ذلك حتى يرث الأرض ومن عليها؛ فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]، وقال جل شأنه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].

وجعل الله من الاختلاف في الأديان سبلاً للتعاون بين بني الإنسان، والتنافس في حسن المعاملة وفعل الخير، وأن يُظهر أهل كل دين جمال ما عندهم من القِيَم والأخلاق التي تدعو إليها الأديان، وأن الله هو الذي سيفصل يوم القيامة بين الجميع في أمر اختلافهم؛ فقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، وقال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48].

ومع القرآن سار النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة، بنشر تعاليم التسامح والنُّبْل والعفو؛ وكانت رحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامةً شاملةً للعالمين جميعًا؛ لا تختص بعرق دون عرق، ولا بلون على لون، ولا بدين عن دين، بل كانت رحمة لكل البشر.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَحِيمٌ»، قلنا: كلُّنا رحيمٌ يا رسول الله، قال: «لَيْسَتِ الرَّحْمَةُ أَنْ يَرْحَمَ أَحَدُكُمْ خَاصَّتَهُ؛ حَتَّى يَرْحَمَ الْعَامَّةَ، وَيَتَوَجَّعَ لِلْعَامَّةِ» رواه عَبدُ بنُ حُمَيد في "مسنده".



وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَضَعُ اللهُ رَحْمَتَهُ إِلَّا عَلَى رَحِيمٍ»، قلنا: يا رسول الله، فكلُّنا رحيمٌ، قال: «لَيْسَ الَّذِي يَرْحَمُ نَفْسَهُ خَاصَّةً، وَلَكِنِ الَّذِي يَرْحَمُ النَّاسَ عَامَّةً» رواه البيهقي في "شعب الإيمان".

قبل الهجرة

كان المسلمون قبل هجرتهم الشريفة في تسامحهم يجمعون بين الصبر على أذى المشركين، ومشاركة نصارى أهل الكتاب فرحهم بالانتصار على الوثنيين من الفرس المجوس، رغم اختلاف الدين.

وعن عبد الرحمن بن عوف، أن أصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة فقالوا: "يا رسول الله، إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنَّا صرنا أذلة!" فقال: «إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا»، فلمَّا حوَّلَنا الله إلى المدينة أمرَنا بالقتال فكفُّوا، فأنزل الله عز وجلَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 77].

و"كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يومئذٍ بمكة قبل الهجرة، تسرَّعوا إلى القتال، فقالوا لنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ذَرْنا نتَّخذ مَعَاول فنقاتل بها المشركين بمكة" فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، قال: «لَمْ أُؤمَرْ بِذَلِكَ». فلما كانت الهجرة، وأُمر بالقتال، كره القوم ذلك، فصنعوا فيه ما تسمعون، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾.

وأما مع النصارى من أهل الكتاب، فرغم اختلاف الدين كان المسلمون يتمنَّوْن غلبة نصارى الروم؛ لأنهم أصحاب كتاب سماوي، على الفرس؛ لأنهم مجوسٌ أهل أوثان، فلمَّا انهزم الفرس أمام الروم ودخل هرقل بيت المقدس فرح المسلمون أشد الفرح؛ وقال الله تعالى ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم: 1-6].

وكانت سيرةُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مليئةً بمظاهر التسامح، حتى مع بناء الدولة الإسلامية بعد الهجرة النبوية الشريفة، فكان "السلام" هو المِفتاح الذي ارتضاه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لدخول هذا الوطن الجديد، والشعار الذي سَار على دربه المسلمون في التعامل مع من يعيشون معهم في المدينة من غير المسلمين، ليصبح بعد ذلك قانونًا مدنيًّا عامًّا يشتمل على جميع معاني السَّلام والأمان.

بعد الهجرة

بنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المجتمع المدني بناءً جديدًا، وأعاد صياغته بطريقة تقضي على الشتات والفُرقة وتُسرع في الجمع والوحدة؛ فكان إقرارُ مبدأ التعايش بين مختلف القبائل والفصائل والديانات والطوائف في الدولة الإسلامية الأُولى هو أحد أهم أهداف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقب هجرته إلى المدينة؛ ليضمَن تنظيم العلاقات بين المسلمين من جهة، وبينهم وبين غيرهم من أصحاب الديانات والانتماءات الأخرى من جهة أخرى، في إطارٍ من التسامح الديني والحرية العقائدية في ممارسة الشعائر والطقوس الدينية؛ حيث تميز أهل المدينة وقتَها بالتنوع العرقي والقبلي والديني؛ فكان فيهم المسلمون، واليهود، والعرب المشركون، والمنافقون، وكان غالب المسلمين يتألفون من المهاجرين والأنصار، وكانت الأنصار من قبيلتين متنافستين: الأوس والخزرج.

وأقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم دستوره، الذي أسس من خلاله للمواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، دون النظر إلى أي انتماء ديني أو عرقي أو مذهبي أو أي اعتبار آخر، وأقام به منظومة التعايش والتسامح بين الانتماءات القبلية والعرقية والدينية، وسُمِّي "بصحيفة المدينة"، أقرَّ فيها الناس على أديانهم، وأنشأ بين المواطنين عقدًا اجتماعيًّا قوامه: التناصر، والتكافل، والمساواة، وحرية الاعتقاد، والتعايش السلمي، وغير ذلك.



وكان دستور النبي صلى الله عليه وسلم أول معلم من معالم الدولة الحديثة، حيث لم يكن العالم يعي معنى كلمة الوطن بالتزاماته وواجباته.

يقول إجماع العلماء إن هذا الدستور اشتمل على سبعة بنود رئيسية:

الأول: مسئولية الجميع في الدفاع عن الدولة وحدودها ضد الأعداء؛ حيث تقول عن أطراف الوثيقة: "عليهم النصر والعون والنصح والتناصح والبر من دون الإثم".

 الثاني: إقرار مبدأ التكافل والتعاون بين الجيران والعصبات؛ بحيث لا يبقى في المدينة محتاج أو ذو ضائقة أو كرب إلا كان له من يقوم بشأنه؛ حيث جاء فيه ذكرُ أن كل طائفة وقبيلة وناحية "على رِبَاعَتِهم؛ يتعاقلون مَعَاقِلَهم الأُولى، وكل طائفة منهم تَفْدي عانِيَها بالمعروف والقسط بين المؤمنين".

الثالث: إقرار مبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتمثل ذلك في توافق الحقوق والواجبات وتناسقها، وضمان المساواة التامة لمواطني المدينة في المشاركة الفاعلة في مجالات الحياة المختلفة، تحقيقًا لمبدأ "المواطنة الكاملة" لكل ساكني المدينة؛ حيث قال: "وأنَّ يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة"، وأيضًا: "وإن يهودَ بني عوفٍ أمة مع المؤمنين"، ثم جاء فيه تعدادهم طائفة طائفة، وأن ليهود بني كذا مثل ما ليهود بني كذا ... وهكذا.

الرابع: ضمان حرية الاعتقاد والتعبد؛ إذ تضمنت حقوق الأفراد جميعًا في ممارسة الشعائر الدينية الخاصة، وحقوقهم في الأمن والحرية وصون أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ودور عبادتهم؛ حيث جاء فيها: "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ -أي يهلك- إلا نفسه وأهل بيته".

الخامس: الأمن الاجتماعي والتعايش السلمي بين جميع مواطني دولة المدينة؛ حيث قال: "أنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى"، كما حفظ حق الجار في الأمن والحفاظ عليه كالمحافظة على النفس؛ حيث قال: "وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم".

السادس: إقرار مبدأ المسئولية الفردية، وتبدأ هذه المسئولية من الإعلان عن النظام، وأخذ الموافقة عليه، وهو ما أكدته الوثيقة بقولها: "أنه لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلوم".

السابع: التعاهد على نصرة المظلوم ونبذ الفتن والبعد عن التصارع الطائفي، وأنَّه لا مجال لمحاربة طائفةٍ، أو إكْراه مُستضعَفٍ؛ حيث تقول الوثيقة: "وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعةَ -أي: عظيمة- ظلمٍ، أو إثمٍ، أو عدوانٍ، أو فسادٍ بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا".

اضافة تعليق