د. عمرو خالد يكتب: أولويات الدين والحياة

السبت، 15 سبتمبر 2018 01:36 م
اسليدر-د-عمرو


الحياة مليئة بالأحداث والمتغيرات، ليس على مدار اليوم، بل في كل ساعة، ودقيقة هناك جديد يحدث، هكذا خلق الله الكون في تغير وحركة مستمرة "كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ"، وهذا التغير المستمر يفرض على الإنسان مئات بل آلاف من القضايا والمسائل في شكل موجات متتالية تقتحم حياته بلا استئذان، منها القضايا الكبرى التي تترتب عليها قرارات مصيرية في الحياة، ومنها المسائل البسيطة والأقل أهمية.


ترتيب الأولويات


مشكلة الإنسان الأساسية ليست في إيجاد الحلول وطرق التعامل مع هذه القضايا والمسائل، لكن في ترتيب الأولويات وتحديد الوقت الذي سيمنحه لها، فالوقت محدد والقضايا والمسائل لانهاية لها؛ لذلك صار حتمًا عليه أن يحدد أولوياته ليضع كل موضوع في حجمه الحقيقي، فينظم وقته وفق أولوياته، ووفق قيمة كل الموضوع، وهل هو قضية أم مسألة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، الأخلاق "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، والعمل والإنتاج (ورد في القرآن 180مرة)، وإصلاح الناس، والتعايش بين البشر، والسلام، هي قضايا كبرىفعلى سبيل المثال لا الحصر، الأخلاق "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، والعمل والإنتاج (ورد في القرآن 180مرة)، وإصلاح الناس، والتعايش بين البشر، والسلام، هي قضايا كبرى، لها الأولوية على ما عداها، تسبقها في الأهمية، ويجب أن تكون نظرتنا إليها من هذا المنظور، لكن حين نركز على الشكل والمظهر والأمور الجزئية، ونحول العمل والأخلاق إلى مسألة غير مهمة، تحدث هنا المشكلة، فنظلم الإسلام، لأن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها.

 

في الدين هناك أركان وفرائض ونوافل، ولابد أن نراعي الأوزان النسبية لموضوعات الدين، والإيمان ليس درجة واحدة، بل هو أحجام وأوزان.. "الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".. لماذا الحياء وليس باقي الشعب، لأن الحياء هو الذي يأتي بالأمور الأخرى والأخلاق الأخرى فالحيي لايكذب ولايرتكب الفاحشة.. حتى الذنوب ليست درجة واحدة، بل فيها كبائر وصغائر.

 

في ترتيب القضايا الاجتماعية.. صلة الرحم أولوية، في العلاقات داخل الأسرة بين الزوج والزوجة، لا تهدم البيت من أجل المسائل، تجاوزها وركز على القضايا.

التفرقة بين القضايا والمسائل

(معيار الفرائض والتوافل)

 

عن طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجدٍ، ثائرُ الرأس، نسمع دويَّ صوته ولا نفقه ما يقول - لكن عنده عقلية فارقة - حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرُهن؟ قال: لا، إلا أن تطوّع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل عليَّ غيرُه؟ فقال: لا، إلا أن تطوَّع، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع. قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقُص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق. وفي رواية أخرى: "أفلح، وأبيه، إن صدق. أو: دخل الجنة وأبيه إن صدق".

 

فالحديث حدد الأوزان النسبية للموضوعات في الدين، ووضع على رأسها أركان الإسلام، وهذا الرجل كان لديه عقلية فارقة، فقال: والله لا يزيد عنها ولا أنقص، وكان رد النبي: "أفلح إن صدق"هذا الرجل كان لديه عقلية فارقة، فقال: والله لا يزيد عنها ولا أنقص، وكان رد النبي: "أفلح إن صدق"، وبناءً على ذلك فالفرائض والأركان هي بلا شك قضايا وما سواها فهو مسائل، فلا تأخذ مسألة وتحولها إلى قضية مثل إطلاق اللحية، أو الأخطاء في اداء العبادات والخلافات بين المذاهب الفقهية، والعكس لاتحول قضية إلى مسألة، مثل العمل والإنتاج والتعليم والأخلاق. 

 

ويبدو أن العقلية الفارقة التي تحدد أولويات الدين، فتضع القضايا في حجمها والمسائل في حجمها هي السبب في درجات الناس عند الله يوم القيامة "هم درجات عن الله"، لأن الاختبار الكبير في الحياة هو اختبار أولويات في المقام الأول، فالذنوب والمعاصي كل إنسان يدرك بفطرته أنها حرام، لكن أعظم ما خلق الله هو العقل، لذلك كان أكبر اختبار للعقل هو الاختيار بين الأولويات.

 

في حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه"؟، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد".. انظر الى ترتيب العقل لدى النبي.. رأس الأمر الإسلام، وذورة سنامه الجهاد، وهو الجهاد بالمعنى الصحيح وليس القتال، ولكن بالمعنى الشامل بذل الجهد والعمل في الحياة.
(معيار مقاصد الشريعة للتفرقة بين القضايا والمسائل)

 

مقاصد الشريعة هي التي شرع الدين من أجل تحقيقها، أو بمعنى آخر، هي: أهداف الدين.. فلا يوجد أمر من أوامر الدين إلا وله هدف وحكمة علينا أن ندركها، فكل أمر وكل نهي وراءه حكمة وهدف شرع من أجله، وهذا الهدف يصب بشكل مباشر في منفعة الناس.

 

والشريعة إنما جاءت برعاية مصالح البشر المادية والمعنوية.. الفردية والجماعية، والغوص في مقاصد الشريعة يخرجك من جمود الوقوف على حرفية النصوص إلى معرفة أسرارها وعللها وربط بعضها ببعض، كما أن علم المقاصد يصل بك لحب الله والتعلق باسمائه الحسنى عندما ترى عظمة المقاصد من الأوامر و النواهي.

 

فالمقاصد من أقوى وسائل تقوية الإيمان بالله بغرس القناعة بحكمة الله في أوامراه ونواهيهفالمقاصد من أقوى وسائل تقوية الإيمان بالله بغرس القناعة بحكمة الله في أوامراه ونواهيه، وهي أعظم وسيله لمواجهة وساوس الشيطان والشبهات الفكرية حول كثير من الشبهات عن الإسلام.

 

يقول ابن القيم: والقرآن والسنة مليئان بآلاف التعليلات والتنبيهات المقاصدية.

مقصد الزكاة: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا"، فحدد هدف الزكاة وهو تطهير النفس من الشح.

 

مقصد الصلاة "وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ"، فحدد هدف الصلاة وهو سمو الروح حتى ترفض الفحشاء و المنكر .

 

مقصد الصيام "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" هنا هي المقصد. فالمقصد والهدف هو أن الصيام الطويل يعلم النفس التقوى.

وهناك آيات تبين المقاصد العامه للشريعة مثل: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ"، "مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ"، وهناك أحاديث المقاصد العامة: "يسروا ولاتعسروا.. بشروا ولاتنفروا"، "بعثت بالحنفية السمحة"، تدل على مقصد التيسير ورفع الحرج.

 

وقد جمع الأمام الشاطبي مقاصد الشريعة كلها في خمس أشياء هي "حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال"وقد جمع الأمام الشاطبي مقاصد الشريعة كلها في خمس أشياء هي "حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال"، بمعنى أن كل أهداف الشريعة الإسلامية، وكل الأوامر والنواهي هي في النهاية لحفظ هذه الخمسة. 

 

وهذه المقاصد فيما عدا مقصد حفظ الدين يتفق مع ما قررته المواثيق العالمية لحقوق الإنسان، وهي بذلك تصلح لأن تكون معيار لعقليتك الفارقة تحكم به على كل موضوعات الحياة التي تمر بها، فتتخذها معيارًا لحياتك في كل الموضوعات والمجالات والقضايا وليس الدين فقط، لأنها معيار عالمي يساعدك على التفرقه بين القضايا والمسائل في كل أمور الحياة.

اضافة تعليق