جزيرة "الشيخ العبيط".. قصة أشهر ميدان في مصر

الإثنين، 10 سبتمبر 2018 02:11 م
كيف تحولت جزيرة الشيخ العبيط لميدان التحرير


تغيرت ملامح القاهرة ومركز إدارة الحكم فيها مرات عديدة، فبدأت بالعاصمة القديمة في ميدان القلعة، والتي تسمى بالقاهرة الفاطمية، وانتهت بالعاصمة الحديثة في عهد الخديوي إسماعيل، ومكانها في ميدان التحرير أو جزيرة الإسماعيلية كما كانت تسمى.

تبدأ قصة ميدان التحرير من جامع الشيخ محمد العبيط، أحد دراويش القرن الثاني عشر الميلادي، وظلت منطقة ميدان التحرير وجاردن سيتي التي يتوسطها الجامع، تحمل اسم "العبيط"، حتى وقت قريب لما بعد ثورة يوليو 1952.


كان الشيخ العبيط "بهلولاً"، عاش هائمًا على وجهه، ويعتقد البعض فى كرامته، بدأت حكايته في عصر المماليك، تحديدًا في زمن السلطان قلاوون سنة ١٣٠٠م، حينما كان هناك أمير مملوكي اسمه "كريم الدين عبد الكريم بن إسحاق بن هبة الله السديد القبطي" وشهرته "كريم الدين الكبير"، كان يعمل ناظر خاص للسلطان.


هذا الأمير أراد أن يقيم مسجدًا كبيرًا باسمه، فاتخذ قطعة أرض على شكل جزيرة قرب القاهرة وقرب القلعة وبنى عليها مسجدًا كبيرًا، وكانت هذه الجزيرة هي ميدان التحرير حاليًا، وكانت تقع في المنتصف بين جزيرة الزمالك والروضة وبولاق، وكانت تسمى جزيرة التحرير وقتها بالجزيرة الوسطى، أو جزيرة أروى، وكانت خالية من السكان تقريبًا.


وحينما شرع الأمير كريم في بناء المسجد وبدأ بالفعل توفي الشيخ محمد العبيط، ولكثرة مريديه، دفنوه داخل مسجد كريم الدين الكبير، وأنشأوا له مقام وضريح وذكرى لمولده، حتى يومنا هذا يتم الاحتفال به، وسموا المسجد الذي بناه الأمير كريم الكبير بمسجد الشيخ العبيط.


ومع مرور الوقت، اتجه الأهالي للسكن بجوار مسجد العبيط، (ميدان التحرير حاليًا) فسميت الجزيرة بـ "جزيرة الشيخ العبيط"، وكان من أهم معالمها هذا المسجد.


تمر السنون، ويأتي عصر محمد علي ١٨٠٥م، ومعه الشيخ عمر مكرم نقيب الأشراف ومقاوم الفرنسيين والبطل الشعبي المشهور، الذي تم نفيه على يد محمد علي إلى دمياط، وبقيت سيرته مكروهة لدى أسرة محمد علي، حتى بعد موت محمد علي نفسه وأبنائه إبراهيم باشا، وعباس الاول، وسعيد باشا.


ويأتي عصر الخديوي إسماعيل، ويقرر الخديوي اسماعيل أن يبني القاهرة من جديد على الطراز الحديث، فيحدد منطقة وسط البلد (ميدان التحير أو جزيرة العبيط) كعاصمة جديدة بعيدًا عن العاصمة القديمة (القلعة وما حولها)، ويشتري الأراضي في منطقة عابدين ويهدم المباني ويبني قصره الجديد، ويشتري أراضي جديدة بهذه الجزيرة ويشق شوارع ويبني أوبرا وكباري، وطرق حديثة.


أراد الخديوي اسماعيل بناء قصرين كبيرين في منطقة جزيرة الشيخ العبيط، أو قريبة منها، باسم "السراي الكبرى" والثاني "السراي الصغرى"، ويضع لنفسه تمثالا بين القصرين.


ولفت نظر الخديوي إسماعيل، الجزيرة الوسطى أو جزيرة الشيخ العبيط (ميدان التحرير) بين ضفة النيل ومجراه، فقرر شراء بيوتها وقصورها كلها وهدمها، ومن بينها مسجد الشيخ العبيط.


أغلق الخديوي إسماعيل تفريعة النيل التي تمر بالجزيرة، وهدم بعض البيوت وبنى سراي الإسماعيلية الصغرى، ثم شرع في بناء السراي الكبرى بميزانية ضخمة قدرها "٣٨ الف و٨٢٠ جنيها"، لكن المديونيات كانت قد زادت، واعترض مريدو الشيخ العبيط على هدم المسجد، فقرر الخديوي وقف باقي المشروع واكتفى بسراياه الصغرى (مجمع التحرير حاليًا)، وظل المسجد كما هو.


وعلى الرغم من كل شيء، فقد شق الشوارع وعمل ميدانا وبنى البيوت على الطراز الفرنسي والإنجليزي وسمى الميدان الذي يتوسط جزيرة العبيط بإسم "ميدان الإسماعيلية".


عدت السنون، وجاء الملك فاروق، وقرر الملك فاروق في أواخر أيامه تكريم جده الخديوي إسماعيل بعمل تمثال في وسط القاهرة تخليدا لذكراه، أمام مسجد الشيخ العبيط، ولكنه رأى أنه من غير اللائق أن يكون تمثال جده مواجها لمسجد اسمه الشيخ العبيط، فقرر هدم المسجد، وبناء مسجد جديد أكبر ويسميه "مسجد الملك فاروق" ويضع التمثال أمامه.


إلا أن ثورة يوليو جاءت لتعصف بالملك فاروق ومشروعه، وقررت وزارة الأوقاف في عصر الرئيس جمال عبد الناصر، عمل توسيعات على مسجد الشيخ العبيط وهدمه، وبناء مسجد أكبر ودار مناسبات، وقررت وزارة الأوقاف تسمية المسجد على اسم الزعيم عمر مكرم تخليدا لذكراه، ومن وقتها واسم المسجد "مسجد ودار مناسبات عمر مكرم"، وتم عمل تمثال في الجهة المقابلة لتخليده، وتم طمس تاريخ الشيخ العبيط نهائيًا.


اما عن السراي الصغرى للخديوي إسماعيل، فجزء منها هدم وتحولت لمصلحة حكومية اسمها "مجمّع التحرير" في سنة ١٩٥١م على يد المهندس الدكتور محمد كمال اسماعيل، الذي وضع تمثال عمر مكرم الجديد في محيطه، أما الجزء الثاني فتحول لمبنى وزارة الخارجية القديمة، وتغير اسم الميدان من ميدان مسجد الشيخ العبيط ، لميدان الاسماعيلية، ثم ميدان "التحرير" ، وحتى اليوم تستمر وضع اللافتة فوق سور وزارة الخارجية مكتوب عليها "شارع عمر مكرم، الشيخ العبيط سابقا" .


أما عن الجزيرة، فتغيرت من جزيرة الشيخ العبيط، لدار الأوبرا المصرية الجديدة، وحي جاردن سيتي، وجزء من شارع قصر العيني، ووسط البلد "ميدان التحرير" وباب اللوق.

اضافة تعليق