د. عمرو خالد يكتب: في البدء كانت الأخلاق

السبت، 08 سبتمبر 2018 01:55 م
اسليدر-د-عمرو


يعلي الإسلام كثيرًا من شأن الأخلاق، فهو ليس مذهب اجتماعيًا أو عقيدة سياسية، بل في جوهره هو الأخلاق.. ثم الأخلاق.. ثم الأخلاق.. إنه دين الرحمة الذي جاء ليخاطب الناس.. كل الناس.. عربهم وعجمهم.. داعيًا إياهم إلى طريق الحق، بلاغصب أو إكراه، هو دين التسامح الذي يرفض أن يمارس أحد القمع باسمه، أو يفرضه بالقوة على الناس.. فما كانت تلك أبدًا رسالته.. إنها رسالة الحب.. ومخاطبة الناس بالتي هي أحسن.


الإسلام موجود منذ بدء الخليقة فقد كان آدم مسلمًا، إلا أن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في بعثته كان مجددًا لهذا الدين في الواقعالإسلام موجود منذ بدء الخليقة فقد كان آدم مسلمًا، إلا أن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في بعثته كان مجددًا لهذا الدين في الواقع، والنبوة هنا كانت هي العنصر الأساسي في هذا الإحياء، لأنها فصّلت روح الدين ولم تقف فقط عند أوامره، فهضم الناس الدين واستوعبوه وكان إليهم أقرب، فهموا الدين بأنفسهم دون كهنة وطلاسم، لم يحتاجوا إلى معجزات كتلك التي أرسلها الله مع موسى.

فقد كانت روح الدين معجزة سيد الخلق أجمعين، فدخل الإسلام في أعماقهم، وتحول إلى قوة محركة.. إلى موجه لحياة الإنسان، لم يأت الإسلام ليقيم دولة بل جاء ليصبغ قلوب البشر بحركة الإسلام.

الإسلام الحقيقي في الكتاب والسنة لم يتحدث عن القوميات والحدود لم يبشّر بدولة الخلافة، بل جاء ليبعث في الإنسان روح السلام، جاء تصحيحًا لمسار الإنسان وليس كمذهب اجتماعي تقليدي للبشرية.

إن اختزال الإسلام في أنماط ومذاهب اجتماعية وثقافية وفي عدد من الأفكار السياسية والعسكرية سلب من الدين روحه التي بعث بها من الله، فسلبت من الإنسان عقله وإخلاصه وخلاصه، وضاع الإنسان بين سندان التقليد الأعمى، ومطرقة استخدام الدين في السياسة؛ وكلاهما لا يتمشيان مع روح الإسلام التي جاء بها أنبياء الله.

إن إحياء روح الدين في نفوس المسلمين كفيل بأن يغير حالهم بتلقائية، وسنجد الحضارة والأمة عندما نجد روح الدين في نفوس البشر، لأن روح الدين في الانتقال من الأنانية الإنسانية إلى حلاوة الإيمان التي تزيل الغل والأحقاد. 
والسؤال.. هل فكرت يومًا ما هي أهداف رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؟.. فنحن نعرف جميعًا حديث النبي (بني الإسلام على خمس).

لكن ماهي الأهداف الرئيسية لرسالة الإسلام؟ 

 

هناك ثلاث آيات وأحاديث جمعت مقاصد الرسالة المحمدية، يقول تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، تحدد الآية أن الرحمة بالبشرية كلها وليس المسلمين فقط .. هي سر الرسالة المحمدية. 

وفي قوله تعالى " كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"، والتزكية معناها أنه يطهر أخلاقكم ويحسنها ووضع الأخلاق قبل تعليم الكتاب والحكمة.

إن أهداف ومقاصد رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تدور كلها حول الأخلاق، وليس من المبالغة أن نقول إنها المقصد الأساسي من الرسالة المحمديةإن أهداف ومقاصد رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تدور كلها حول الأخلاق، وليس من المبالغة أن نقول إنها المقصد الأساسي من الرسالة المحمدية.. وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

هذه هي الحقيقة التي يجب أن ندركها، وأن نضعها نصب أعيننا دائمًا، حتى لانحيد عن رسالة الإسلام الحقيقية وهي الأخلاق.. في العبادة.. في معاملاتنا.. في كل أمور حياتنا لابد وأن تكون الأخلاق حاضرة.. لاينبغي بأي حال تهميشها، والتعامل معها على أنها شيء ثانوي لاضرر من تركه.

ولو لم يكن الأمر كذلك، لما استحوذت الدعوة إلى مكارم الأخلاق على كل هذا الاهتمام من النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان دائم التذكير لأصحابه، ونحن من بعدهم بضرورة التحلي بحسن الخلق.. فهل تعلم أن عدد الأحاديث النبوية المروية عن النبي 60آلأف حديث بكل درجاته، من بينها 2000 حديث في كل أحكام الشريعة؛ أي حوالي 3% من الأحاديث، بينما 97% من الأحاديث كلها أخلاق مرتبطة بالعقيدة.

فالأخلاق هي جوهر العقيدة، وكل عبادة في الإسلام متعلقة بخلق معين مرتبط بها، وكلما زاد فضل الخلق زادت قيمة العبادة المتعلقة به وزاد الثواب؛ فالثواب في الإسلام على قدر نفع المجتمع لذلك جاءت أحاديث حسن الخلق في أعلى درجات الثواب لأنها أهم فوائد الدين.

"مامن شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله يبغض الفاحش البذيءمامن شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله يبغض الفاحش البذيء"،" أثقل مايوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق"، "إن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقًا"، "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وخياركم خياركم لنسائهم".

"أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق"، "أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا"، "كنا جلوس عند رسول الله إذ جاءه أناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله تعالى ؟ فقال النبي: أحسنهم أخلاقًا"، "ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة ؟ فأعادها مرتين أو ثلاثة.. قالوا بلى يارسول الله.. فقال: أحسنكم أخلاقًا"، "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم"،" أنا زعيم (ضامن) بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه"، "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسطة الوجه وحسن الخلق". وكان من دعاء النبي "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت".

اضافة تعليق