الشيخ "عطية صقر".. فارس الفتوى وصوت الحق

الخميس، 06 سبتمبر 2018 11:42 ص
فارس الفتوى وصوت الحق



حينما تسمعه لأول مرة وهو يدلي برأيه في مسألة ما، تظن أنه يقرأ من كتاب أمامه، فالرجل – رحمه الله - كان يحفظ ما يقوله عن ظهر قلب، فيستدعي ذاكرته الحادة في كل مسألة فقهية ترد إليه، وكأنها جاءت إليه بإجماع الفقهاء واختلاف آرائهم أمام عينه، ليتلوها على مسامع سائليه، وكأنه يقرأها لهم.


لم يكن العالم الراحل، الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا، مجرد عالم وفقيه فقط، ولكنه كان من المدركين لأهمية الفتوى الصحيحة بين المسلمين، فكان لا تقتصر ردوده وفتاواه على رأي واحد، ولكن كان يعرض عليهم كل الآراء المختلفة بين المذاهب الأربعة، ليختار المسلمون أنسبها لهم.

كما كان يعرض ما يميل إليه من الآراء التي عرضها لييسر على بعض العامة والبسطاء الذين لا يستطعيون التفضيل بين أي من هذه الآراء، فكان صاحب فهم قبل أن يكون صاحب علم، صاحب فقه قبل أن يكون حافظًا.

وهكذا كان الشيخ عطية صقر الذي استطاع بهدوء وحزم أن ينشر وسطية الدين، فكان صاحب نظرة وسطية لا تفريط فيها ولا إفراط، وكان يدرك متى يشدد، ومتى يرخص، وكان عالمًا بمقاصد الشريعة العليا، واقفًا على حدود الله عز وجل، يجمع ولا يفرق، لكنه لا يقبل انحرافًا عن شريعة الله، ولا تجاوزًا لحدوده.


تصدى الشيخ عطية صقر لكل الانحرافات الفكرية التي انتشرت على لسان بعض العلمانيين والمعادين للدعوة الإسلامية، وكان يزود عن الإسلام ويعلن براءة الإسلام - بشموليته ورحابة أفقه - من أفكارهم.


كما كان مدركًا ومقدرًا لتراث الأمة العلمي، ويحترم شتى المدارس الفقهية احترامًا شديدًا، ولهذا لم يكن يتعرض لبيان أي حكم شرعي إلا ويبدأ ببيان آراء فقهاء الأمة في موضوع السؤال، وفي كثير من الأحيان يرجح فضيلته ما يطمئن إليه قلبه، وما يقوده إليه الدليل.



من أشهر فتاواه حكم مصافحة الرجال للنساء، إذ قال الشيخ عطية صقر: "إن المصافحة حرام. لأن لمس الرجل ليد المرأة يوقظ الغريزة، وهو ما نهى الإسلام عنه".

وأحدثت تلك الفتوى رد فعل عنيفا في بعض الأوساط التي تعتبر مثل هذه التصرفات من قبيل المدنية والتحضر، وكان لردة الفعل هذه أثرها على توقف برنامج الشيخ التليفزيوني الذي أفتى فيه بتلك الفتوى، حيث منع بعدها.


كما كان له موقف حينما قامت الدنيا ولم تقعد حينما عندما دار الإفتاء المصرية في شهر سبتمبر 1989 فتوى تتعلق بالفوائد الممنوحة على ودائع الأفراد والشركات لدى البنوك، واتجه الرأي بموجب تلك الفتوى إلى إباحة تلك الفوائد، وثارت ثائرة العلماء وقتها، وكانت هناك مساجلات وحدثت مشاحنات بين المبيحين والمحرمين.

حتى أفتى الشيخ عطية صقر وكان وقتها رئيسًا للجنة الفتوى بالأزهر، بتحريم فوائد البنوك بحسب رأيه، واجتهاده، وعلى الرغم من مخالفة هذا الرأي للتوجه الذي اختارته دار الإفتا.

فلم يعرف عن الشيخ - رحمه الله - أنه انجرف في عداوة مع أحد، بل الثابت أنه لم يكن يأخذ الأمر على محمل شخصي في يوم من الأيام.


ولد الشيخ عطية صقر في يوم الأحد 4 من المحرم العام 1333هجرية الموافق 22 نوفمبر 1914 في قرية بهناباي - مركز الزقازيق بمحافظة الشرقية.

حفظ القرآن الكريم في كتاب القرية وعمره 9 سنوات، ثم التحق بالمدرسة الأولية، والتحق بعدها بمعهد الزقازيق الديني عام 1928، ثم التحق بكلية أصول الدين وحصل منها على الشهادة العالية سنة 1941.
وحصل على العالمية مع إجازة الدعوة والإرشاد سنة 1943- وكان ترتيبه الأول - بدأ حياته خطيبا في مسجد عبد الكريم الأحمدي بباب الشعرية في يوم الاثنين 15 من شهر شعبان سنة 1362هـ الموافق 16 أغسطس العام 1943م، ثم عين واعظا بالأزهر بعد ذلك بعامين سنة 1945 حتى رقي إلى مفتش ومراقب عام للوعظ.

عين سفيرًا للأزهر في اللجنة العليا للعلاقات الخارجية بوزارة الخارجية، واللجنة الوزارية للتثقيف الصحي، ومترجمًا بمراقبة البحوث والثقافة، ووكيلاً لإدارة البعوث، ومدرسًا بالقسم العالي بالأزهر.


وعين عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية ولجنة الفتوى بالأزهر ثم رئيسا لها، وعضوًا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وكان عضوًا بمجلس الشعب عن دائرة شبرا، وذلك في سنة 1984.

وتعددت رحلات الشيخ - رحمه الله - لمختلف البلدان لنشر الدعوة الإسلامية، فسافر إلى إيران والكويت وإندونيسيا وليبيا والجزائر والبحرين والسنغال ونيجيريا وبنين والولايات المتحدة وباكستان وباريس ولندن.

 وللشيخ عطية صقر مؤلفات علمية مكتوبة تزيد على 31 مؤلفا علميا، يأتي على رأسها كتاب "الدعوة الإسلامية دعوة علمية"، وهو الكتاب الفائز بجائزة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وكتاب "الأسـرة تحت رعاية الإسلام" ويقـع في ستة مجلدات، وهناك كتب أخرى، منها: كتاب "دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة"، وكتاب "الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه"، وكـتاب "العـمل والعـمال في نظر الإسلام"، وكـتاب "الإسلام ومشاكل الحياة"، وكتاب "الحجاب وعمل المرأة"، وكتاب "البابية والبهائية تاريخًا ومذهبًا"، وكتاب "فن إلقاء الموعظة"، وكتاب "بيان للناس عن موقف الإسلام من التيارات الحديثة"، وكتاب "أوضح الكلام في الفتاوى والأحكام".

كما أن له إنتاج علمي مسموع يزيد كثيرًا في الكم على ذلك التراث المقروء، فلقد قدم فضيلته للأمة الإسلامية عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية الكثير من الإنتاج العلمي في جميع فروع الشريعة.

ولا يزال كثير من رواد الشبكة الإلكترونية يقبلون بنهم شديد على تراث الشيخ الصوتي، وبخاصة سلسلة فتاوى وأحكام في فقه العبادات، وسلسلة فقه الأسرة المسلمة، وقل أن تجد موقعًا يعرض فتاوى إلا وللشيخ أثر واضح فيه، كما أنه حل ضيفًا دائمًا ومرغوبًا فيه على العديد من برامج الفتاوى عبر شبكة القرآن الكريم.

توفي الشيخ عطية صقر في التاسع من ديسمبر العام 2006 بعد رحلة من العمل في سبيل التعريف بالإسلام الصحيح.

اضافة تعليق