امرأة فرعون.. من قلب الكفر يولد الإيمان

الثلاثاء، 04 سبتمبر 2018 01:41 م
امرأة-فرعون

"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"، هكذا ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم كمثال للنساء المؤمنات، إنها آسية بنت مزاحم امرأة فرعون موسى التي تلقت موسى عليه السلام من اليم، وأقنعت فرعون بالاحتفاظ به، وتربيته كابن لهما، رفض في البداية، لكن إصرارها جعله يوافقها الرأي وعاش معهما وأحبته حب الأم لولدها.


ويروي ابن كثير: "ذكر المفسرون أن الجواري التقطنه - أي سيدنا موسى - من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون، فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه، أحبته حبًا شديدًا جدًا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا وأمر بذبحه. فاستوهبته منه ودفعت عنه "وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ"، فقال لها فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا. أي: لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق. وقولها: "عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا"، (القصص: الآية 9)، وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه. "أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا"، وذلك أنهما تبنياه، لأنه لم يكن يولد لهما ولد. قال الله: "وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم، حين قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده".

وعندما دعا موسى عليه السلام إلى توحيد الله تعالى آمنت به وصدقته، ولكنها في البداية أخفت ذلك خشية فرعون وما لبثت حتى أشهرت إيمانها، وحاول عبثًا إقناعها بالتراجع، إلا أنها رفضت، ليقوم بتعذيبها تحت صخرة ضخمة فى حرارة الشمس عليها من أجل العدول عن إيمانها.

ويروى أن فرعون قتل الماشطة التي كانت تمشط ابنتها، بعد أن قالت له متحدية: ربي وربك الله. ونتيجة لذلك التحدي قذفها في النار هي وأولادها، فلم ترض زوجته آسية لأنها أختها في الله والأخوة في الله، تنعدم فيها الطبقية بين الحرة والأمة وبين الرئيس والمرؤوس، فأرادت أن تنتصر لأختها في الله فقالت لزوجها فرعون عندما أخبرها عن أمر الماشطة: الويل لك ما أجرأك على الله. فقال لها: لعلك اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة، فقالت: ما بي من جنون ولكني آمنت بالله تعالى رب العالمين.

وبعد ذلك دعا فرعون أمها، وقال لها: "إن ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة، فأقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى، فخلت بها أمها وأرادتها أن توافق فرعون، ولكنها أبت، وقالت: أما أن أكفر بالله فلا والله.

وعندما رأى فرعون تمسكها بدينها وإيمانها، خرج على الملأ من قومه فقال لهم: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم فأثنى عليها القوم، فقال: إنها تعبد رباً غيري، فقالوا: اقتلها، ثم نادى فرعون زبانيته وأوتدوا لها أوتادًا وشدوا يديها ورجليها ووضعوها في الحر اللاهب تحت أشعة الشمس المحرقة ووضعوا على ظهرها صخرة.

وظل فرعون يتلذذ بتعذيبها، وفي أثناء ذلك نظرت آسية إلى ما عند الله ودعت الله أن يبني لها بيتاً في الجنة. قال تعالى "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ".

وكشف الله عن بصيرتها فأطلعها على مكانها في الجنة ففرحت وضحكت وكان فرعون حاضرًا هذا المشهد، فقال: ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي تضحك فقبض الله روحها إلى الجنة رضي الله عنها.

أراها الله ما طلبته، فهى من صنع لموسى حاجزًا للصد، هى التي حمته من غدر فرعون حتى يشتد عوده ويكمل رسالته، هى من أحبت طفلها فصدقته وآمنت بربه، وهى من احتملت العذاب من أجل نظرة لقصرها فى الجنة.

وهى من وضعها النبى عليه الصلاة والسلام ضمن أربعة سيدات وصفهن بأنهن من "كملن" خديجة بنت خويلد، فاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم، امرأة فرعون.

عن عكرمة عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط وقال: "أتدرون ما هذا؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضـل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون".

وثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".

وهكذا لم يمنع من كون آسية امرأة فرعون أن تضل مثلما أضل، اختارت طريق الإيمان على الرغم من عواقبه، لم تأبه بالعذاب، بعدما رأت نعيم الجنة في الآخرة، صدقت الله فصدقها، وخلد ذكرها بين العالمين.

اضافة تعليق