حاتم الطائي.. أكرم العرب.. أعتق النبي ابنته إكرامًا له

الأحد، 02 سبتمبر 2018 03:01 م
سخاء

إذا ذُكِر الكرم، ذُكر حاتم الطائي، فهو أشهر العرب كرمًا وشهامة، ويعد مضرب المثل في الجود والكرم، هو من قبيلة طيء، أمه عتبة بنت عفيف بن عمرو بن أخزم، وكانت ذات يسر وسخاء، حجز عليها إخوتها ومنعوها مالها خوفًا من التبذير، ونشأ ابنها على غرارها جوادًا كريمًا.


ولد حاتم الطائي في فترة ما قبل الإسلام، وقيل إنه كان على المسيحية، وقد اشتهر بالكرم والجود، والصدق في القول والفعل، والقوة والشجاعة عند القتال، ومساعدة المحتاجين عند اللجوء إليه، وتحقيق الفوز عند خوض أي منافسة أو مبارزة أخذ على نفسه عهدًا بألاّ يقتل أحدًا في شهر رجب (الشهر الأصم). تميز بتقديمه للطعام للناس كافة، حيث كان يذبح عشرة من الإبل كل يوم.

وقد تزوج من "ماوية" وهي فتاة ثرية جدًا، تقدم لخطبتها العديد من الشعراء؛ كالذبياني والمتنبي وحاتم الطائي، فعملت على جمع هؤلاء الشعراء، وطلبت من كل شاعر أن يلقي بيتًا من الشعر لكي تختار أحدَهم زوجًا، فاستجاب هؤلاء الشعراء لطلبها، فوقع الاختيار على حاتم الطائي.

كان لكرمه وسخائه الدور الرئيس في طلاقه وانفصاله عن زوجته ماوية، وذلك بسبب التبذير في الأموال على الغرباء، بالإضافة إلى عدم تفكيره بمستقبله وبمستقبل عائلته، فعملت زوجته على ردعه وإرشاده، إلا أنه لم يستجب لها وبقي على ما هو عليه، وبعد أن طلّقها زاره خمسون رجلاً يطلبون منه تقديم الطعام لهم، فعمل على إعداد وليمة خاصة بهم تحت إشرافه، فلما علمت طليقته بذلك قالت له لهذا السبب طلقتك، لأنك تكرم الضيوف على حساب أبنائك.

وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراح ابنته سفّانة، إكرامًا له، عندما تم أسرها بعد غزو المسلمين لبلادها التي تقع عند جبلي أجأ وسلمى (منطقة حائل حاليًا.. في تلك المنطقة كانت مضارب قبيلة طي).

إذ قالت له: "يا محمد.. إن رأيت أن تخلّي عني فلا تشمّت بي أحياء العرب.. فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يفكُّ العاني ويحمي الذمار ويقري الضيف ويشبع الجائع ويفرّج المكروب ويفشي السلام ويطعم الطعام ولم يرد طالب حاجة قط.. أنا ابنة حاتم الطائي".

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "هذه صفة المؤمن حقًا.. لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه.. خلوّا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.. والله يحب مكارم الأخلاق".

وعندما سأل عدي بن حاتم، رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أباه كان يصل الرحم ويفعل ويفعل فهل له في ذلك - يعني: من أجر -؟ قال: "إن أباك طلب شيئًا فأصابه"، أي الشهرة والذِّكر.

ومن تلك المواقف التي ظهرت كرمه اللامحود، أنه ذات ليلة مرّ عليه شعراء ثلاثة هم: عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني، وهو يجهل هويتهم، وكانت وجهتهم النعمان فسألوه القرى (أي الطعام الذي يقدم للضيف) فنحر لهم ثلاثه من الإبل فقال عبيد: إنما أردنا بالقرى اللبن وكانت تكفينا بكرة، إذ كنت لابد متكلفًا لنا شيئًا، فقال حاتم: قد عرفت ولكني رأيت وجوهًا مختلفة وألوانًا متفرقة فظننت أن البلدان غير واحدة، فأردت أن يذكر كل واحد منكم ما رأى إذا أتى قومه، فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها وذكروا فضله، فقال حاتم: أردت أن أحسن إليكم فصار لكم الفضل علي، وأنا أعاهد أن أضرب عراقيب إبلي عن آخرها، أو تقوموا إليها فتقسموها ففعلوا فأصاب الرجل تسعة وثلاثين ومضوا إلى النعمان.

وسمع أبو حاتم بما فعله، فأتاه فقال له: أين الإبل؟ فقال له: يا أبت طوقتك بها طوق الحمامة مجد الدهر وكرمًا، لا يزال الرجل يحمل بيت شعر أثنى به علينا عوضًا من إبلك فلما سمع أبوه ذلك قال: أبإبلي فعلت ذلك؟ قال: نعم، قال: والله لا أساكنك أبدًا فخرج أبوه بأهله وترك حاتمًا ومعه جاريته وفرسه وفلوها.

فقال حاتم في ذلك:

إني لعف الفقر مشترك الغنى        وتارك شكلا لا يوافقه شكلي

وشكلي شكل لا يقوم لمثله          من الناس إلا كل ذي نيقة مثلي

وأجعل مالي دون عرضي جنة             لنفسي وأستغني بما كان من فضل

وما ضرني أن سار سعد بأهله             وأفردنى في الدار ليس معى أهلي

سيكفي ابتنائي المجد سعد بن حشرج        وأحمل عنكم كل ماضاع من نفل

ولي مع بذل المال في المجد صولة         إذا الحرب أبدت من نواجذها العصل

ومن مواقفه أيضًا: حُكي أن ملكان ابن أخي ماوية زوجة حاتم الطائي قال: قلت لها يومًا: يا عمة حدثيني ببعض عجائب حاتم وبعض مكارم أخلاقه، فقالت يا ابن أخي أعجب ما رأيت منه أنه أصابت الناس سنة قحط أذهبت الخف والظلف، وقد أخذني وإياه الجوع وأسهرنا، فأخذت سفانة وأخذ عديًا وجعلنا نعلّلهما حتى ناما، فأقبل عليّ يحدثني ويعللني بالحديث حتى أنام، فرفقت به لما به من الجوع، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال لي أنمت؟ فلم أجبه فسكت، ونظر في فناء الخباء، فإذا شيء قد أقبل، فرفع رأسه فإذا امرأة، فقال ما هذا؟ فقالت يا أبا عدي أتيتك من عند صبية يتعاوون كالكلاب أو كالذئاب جوعًا.

فقال لها: أحضري صبيانك فوالله لأشبعنهم فقامت سريعة لأولادها فرفعت رأسي وقلت له يا حاتم بماذا تشبع أطفالها فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقال والله لأشبعنّك واشبعنّ صبيانك وصبيانها، فلما جاءت المرأة نهض قائماً وأخذ المدية بيده وعمد إلى فرسه فذبحه ثم أجج نارًا ودفع إليها شفرة، وقال قطعي واشوي وكلي وأطعمي صبيانك، فأكلت المرأة وأشبعت صبيانها، فأيقظت أولادي وأكلت وأطعمتهم، فقال والله إن هذا لهو اللؤم تأكلون وأهل الحي حالهم مثل حالكم! ثم أتى الحي بيتًا بيتًا يقول لهم انهضوا بالنار فاجتمعوا حول الفرس.


وتقنَّع حاتم بكسائه وجلس ناحية فوالله ما أصبحوا وعلى وجه الأرض منها قليل ولا كثير إلا العظم والحافر، ولا والله ما ذاقها حاتم وإنه لأشدهم جوعًا.

اضافة تعليق