"أبوالبنات".. حامل على كتفه حسنات

الأربعاء، 29 أغسطس 2018 01:34 م
29003825_10155539053748721_506156948_n

لطالما سمعنا عن حالات طلاق بسبب عدم إنجاب الزوجة للولد في مجتمعاتنا العربية، وعلى الرغم تبشير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة لـ "أبو البنات"، الذي يحسن تربيتهن ومعاملتهن، حين قال: "من كانت له ثلات بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن كن له حجابًا من النار".


إلا أنه مع ذلك؛ هناك أمثال شعبية تحط من مكانة إنجاب الإناث، فتقول: "لما قالوا لي دي بنية اتهد الحيطة عليا، ولما قالوا لي ده ولد اتشد ضهري واتسند"، فضلاً عن كشفها اعتراض الزوج والمجتمع على إنجاب الفتيات قائلة "يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للمات"، على اعتبار ان المرأة هي المسئولة في المقام الأول عن إنجاب الفتيات.

حتى بعد إثبات العلم أن الرجل هو المسئول الوحيد عن نوع الجنين، لم يختلف الحال كثيًرا، فقد كشفت نتائج دراسة تحليلية اجتماعية في قسم علم الاجتماع في جامعة اليرموك مؤخرًا بعنوان: "متلازمات تفضيل إنجاب الذكور في الأردن" عن استمرار شيوع ظاهرة التحيز لإنجاب الأطفال الذكور لدى الأسرة الأردنية.

وأوضحت الدراسة التي أجراها الدكتور منير كرادشة من قسم علم الاجتماع بجامعة اليرموك والدكتور عيسى مصاروه من الجامعة الأردنية، أن هذه الظاهرة تأتي كنتاج نسق قيمي معياري ينظر إلى أن الطفل الذكر هو الوريث المنتظر لثروة الاسرة والحامل لإسم العائلة ومصدر عزوتها وهو معين للأب في عمله وضمان للأبوين في حالة عجزهم عند الشيخوخة في حين ينظر لإنجاب الإناث كعبء اقتصادي ومصدر قلق للأسرة أحيانًا.

صداقة وحب

 



لكن المهندس محمد عامر الذي أنجب ابنتين تخرجتا من كلية الهندسة، لم تشغله مسألة إنجاب الذكور قط، كل ما شغله هو تربيتهما ليكونا مواطنتين صالحتين لهما دورًا إيجابيًا في المجتمع، وأن يعش بسعادة معهما ومع أحفادهما.


وتقول غادة محمد عامر الأستاذ في كلية الهندسة، إن والدها ليس مجرد صديق لها، بل تعتبره مدرسة حياتية صقلت شخصيتها ونجاحها منذ الطفولة.

تضيف: "نحن ابنتان فقط، وإضافة إلى الصداقة مع أبي التي نشأنا عليها، إلا أنه صقل شخصيتي بثقته فيَّ وتنمية حب الاعتماد على النفس، مع مزيج من الحرية الكاملة، فمثلاً كنا نقيم في الخليج، وأبي كان لا يمانع أن أساعده في إنهاء بعض الإجراءات الحكومية هنا في مصر بمفردي، وكان دائماً ما ينمي طموحي بأن مجال الهندسة مفتوح للبنت مثل الولد، وأنه لا صحة بأنها مهنة ذكورية، فأحببت الهندسة بسببه، وأصبحت عضو هيئة تدريس جامعي أيضًا".

وتتابع غادة، التي صنفت ضمن أقوى 100 امرأة عربية في قائمة "أربيان بزنس" : "أبي صديقي ومستشاري الأول، فتربيته لي لم تعتمد على الترهيب وإعطاء الأوامر أو حتى التدليل فقط مطلقًا، بل كان مثل الفلاح الذي غرس بذرة في الأرض ويرعاها بالماء كل فترة حتى يرى ثماره، فأبي غرس فيَّ قيم الصدق والأمانة وحب الاعتماد على النفس والطموح، إضافة إلى الثقة والحرية، فأصبح صديقي الوحيد ومستشاري الأول، فأحكي له أدق أسراري وألجأ إليه في مشاكلي الشخصية أو مشاكل العمل، فكان ينصحني دائماً بألا أكون متسرعة وأن أراجع أخطائي".

ثلاثة بنات

بدوره، يؤكد الفنان صلاح عبد الله أنه سعيد بلقب "أبو البنات"، حيث إنه أب لثلاث فتيات، لافتًا أنه لم يسع لإنجاب الصبي ولم يتمن ذلك فهو مؤمن أن الأبناء رزق من الله وله حكمة في ذلك، رافضًا في الوقت ذاته مقولة إن "البنت ضعيفة ومكسورة الجناح ولابد أن من رجل داخل الأسرة لمساندتها".

وتابع: "ضعف شخصية الفتاة في المجتمع العربي يرجع إلى تسلط الأبوين في التربية وفرض رأيهما في كل صغيرة وكبيرة بحياتهما، وهذا ما حاولت تجنبه في تربية بناتي حيث منحتهم الثقة والحرية الكاملة بما يتناسب مع تعاليم ديننا وتقاليد المجتمع".


عادات قديمة

تقول الدكتورة رندى شليطا، أستاذ علم النفس، إن "المجتمع مازال أسير العادات القديمة، التي كانت ترفض المرأة كليًا، فعلى الرغم من أن الحياة تغيرت وتطورت لكن ثمة جذور من الماضي مازالت ممتدة إلى واقعنا حتى اليوم".


وترى شليطا أن لقب "أبوالبنات" هي "تهمة ليست سيئة بالمفهوم الاجتماعي والأخلاقي، لكنها تعبر في الوقت ذاته عن واقع المجتمع والمستوى الثقافي الذي ينبت في هذا الجو الخاطئ"، مضيفة: "لا يمكن تقبل هذه التهمة إذا ما حاولنا تفسيرها على حقيقتها، حقيقة ولادتها، أي حقيقة التخلف الذي يحاصر مجتمعنا حتى اليوم".


أخف وطأة


أما الدكتور رفعت عبد الباسط، أستاذ علم الاجتماع بجامعة حلوان، فيؤكد أن "المجتمع كان يرفض إنجاب الفتيات لدرجة أنهم كانوا ينادون أبو البنات بـ "أبو محمد" ولا مانع من استمرار الإنجاب حتى إنجاب صبي ولو وصل عدد الأولاد حتى 15 طفلاً".


ويتابع: "الأمر الآن أصبح أخف وطأة بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية ما زاد الوعي لدى الأفراد، بأن الأهمية والأفضلية للإنسان المنتج في المجتمع والصالح بغض النظر عن نوع جنسه، والملاحظ الآن أن فتيات كثيرات واجهة مشرفة لآبائهن متميزات في شتى المجالات".
 

اضافة تعليق