في قصة موسى والخضر.. ثلاث صفات.. ومواقف ثلاثة

الإثنين، 27 أغسطس 2018 03:12 م
الخضر عليه السلام

 اختلف أهل العلم في كونه نبيًا أم عبدًا صالحًا، إنه "الخضر" - عليه السلام - الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة "الكهف"، والذي رافقه سيدنا موسى - عليه السلام- للتعلم منه، وقد حكى القرآن الكريم تلك القصة المليئة بالدروس والعبر.

وكان موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم, فقال أنا أعلم، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال يا رب وكيف به، فطلب منه أن يتوجه إلى ذلك المكان عند مجمع البحرين، "فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا"، إذ تبع موسى الخضر عند مجمع البحرين: "قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا".

ويختلف العلماء في نسب سيدنا الخضر، وهناك أكثر من رواية تتعلق بنسبه، منها ما ذكره ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" أن الخضر ابن آدم لصلبه. "قال الحافظ ابن عساكر: يقال: إنه الخضر بن آدم عليه السلام لصلبه. وقال ابن عباس: "الخضر بن آدم لصلبه، ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال، وهذا منقطع وغريب"– ابن الكثير، البداية والنهاية-الجزء الأول.
وسبب تسميته بالخضر، كما يروي أبو هريرة في صحيح البخاري: "أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء"، وكنيته هي أبو العباس.

وقد جمعت شخصية "الخضر" بين ثلاث صفات كما يحكي القرآن:
- العبودية: وصفه الله تعالى بأنه "عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا"، والعبودية لله تعالى تعني الانقياد له والخضوع له، وهي أعم وأشمل من مفهوم العبودية على أنها صلاة وزكاة وحج وغيرها، فالإنسان حين يسعى في الأرض لطلب الرزق، فهو يعبد الله لأن ربه يأمره بذلك في قوله: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ".

والعبودية مقرونة بالإخلاص لله، وهي الشرط الأساسي في قبول العمل، وإلا رد على صاحبه، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ماله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، وابتغى به وجهه".

وفي حديث أبى هريرة: "أن رجلاً يريد الجهاد وهو يريد عرضًا من أعراض الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أجر له، فأعاد عليه ثلاثًا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا أجر له".
– الرحمة " آتَيْنَاهُ رَحْمَةً""، وهذه صفة الأنبياء والمؤمنين، والله تعالى يقول عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم "وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"، فلو لم يكن رحيمًا لما نجح في مهمته التي أوكله الله بها وهي هداية البشرية للإسلام.

– العلم "وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا" أي: وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا بواسطة تعليم معلم، ولا إرشاد مرشد، والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية، وللشيخ أبي حامد الغزالي رسالة في إثبات العلوم اللدنية، وفقد آتى الله الخضرعلما لدنيّا أهلّه لأن يعلم موسى عليه السلام.

وكان أهم ما تميز به الخضر أنه كان منطلقًا في كل تصرفاته من باب المصلحة العامة، فلم يكن يتحرك لشيء بدافع شخصي، وكل الأمور التي فعلها في قصته مع موسى، كانت جميعها لأجل تحقيق المنفعة للغير، وعلى وجه التحديد لعباد الله المؤمنين، الذين عرفوا حق الله فأدوه، فلم يغفل عنهم في أمورهم، وأرسل لهم ذلك العبد الصالح ليقوم على تحقيقها لهم.

وتمحورت قصة موسى مع الخضر في ثلاث مواقف رئيسة كما يحكي القرآن؛ الأول قصتهما مع أصحاب السفينة، إذا أنهما لما انطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموها أن يحملوهما، فعرف أهل السفينة الخضر، ولم يعرفوا موسى فحملوهما بلا ثمن ومن غير مقابل إكرامًا للخضر، ولما وصلت السفينة ورست عَمَدَ الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه منها واقتلعه من داخلها ثم رماه في البحر.

وهنا اندهش موسى عليه السلام، وقال في نفسه: قوم حملونا وأكرمونا وأركبونا بلا ثمن ثم بعد ذلك يخرق سفينتهم ويفسد وسيلتهم، فلم يتحمل الصمت، فقال وقد أخذته الغيرة على الحق "أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا".

وهنا التفت العبد الرباني إلى موسى، مذكرًا له بالشرط الذي بينه وبينه وملفتًا نظره إلى عبث محاولة التعلم منه، فقال له "أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا"، فأخذ موسى يعتذر إليه بالنسيان ويرجوا منه ألا يؤاخذه ولا يرهقه قال تعالى حاكيًا عن موسى عليه السلام: "قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا" فقبل الخضر عذره ونسيانه.

الأمر الثاني: قتل الطفل
مر موسى والخضر على حديقة يلعب فيها الصبيان، حتى إذا تعبوا من اللعب انتحى كل واحد منهم في ناحية من نواحي الحديقة، فجاء الخضر إلى أحدهم فاقتلع رأسه حتى فصل رأسه عن جسده، كان المشهد صادمًا لموسى، كيف له أن يفعل ذلك وما الجرم الذي اقترفه الطفل حتى يتم قتله، وذلك هو حدود علمه، فقال له موسى: "أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا"، يعني ما فعلته شيء مثير للاستنكار لا يقبله العقل، فأعاد عليه الخضر ما قال له من قبل بأنه لن يستطيع معه صبرًا "قالَ أَلَمْ أَقُلْ لك إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا"، فأعتذر موسى وقال "إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا".

فانطلقا حتى وصلا إلى قرية يعرف أهلها بالبخل، فلما وصلا إليها، وقد نفذ ما معهما من الطعام فاستطعما أهل القرية،، وطلبا منهم أن يطعموهم ويضيفوهما، فأبوا أن يضيفوهما حتى جاء عليهما المساء فآوى في الخلاء، فوجد الخضر جدارًا يكاد أن يتهاوى ويسقط فقام الخضر إلى الجدار وقضى ليله كله في إصلاحه وبنائه من جديد، فقال موسى في نفسه، إن أهل القرية بخلاء لم يكرمونا ولم يضيفونا فلماذا يتعب نفسه فيهم ويشقى عليهم ويُقدم لهم هذا العمل المجاني الذي لا يستحقونه فقال له "لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا"، فكانت تلك النهاية بين المعلم وتلميذه "هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا".

اضافة تعليق