تصوير النازلة.. أربع مراحل تمر بها الفتوى في ذهن الفقيه

الإثنين، 27 أغسطس 2018 02:07 م
تصوير النازلة

يقول العلماء، إن هناك أربع مراحل تمر بها الفتوى في ذهن الفقيه قبل أن تصدر منه، ومن هذه المراحل «تصوير المسألة» محل الفتوى، فما المقصود من هذا المصطلح، وما ضوابط التصوير الصحيح لمسألة الفتوى؟

تمر الفتوى في ذهن الفقيه قبل أن تصدر منه بأربع مراحل، وهي التصوير، والتكييف، وبيان الحكم، ثم الإفتاء، وتعد هذه المراحل بمثابة مقدِّمات الفتوى، فإذا صحت هذه المقدِّمات صحت النتيجةالمترتبة عليها وهي الفتوى، ولا تصح المقدِّمات إلا بالعناية بالضوابط، ومن هنا تبرز أهمية الاعتناء بضوابط هذه المقدِّمات.

وأول هذه المقدمات: التصوير، وهو من الفعل صوَّر يصوِّر، قال ابن الأثير في كتابه [النهاية في غريب الحديث: 3/ 59، ط. المكتبة العلمية]: «الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى معنى صفته. يقال: صورة الفعل كذا وكذا أي: هيئته، وصورة الأمر كذا وكذا أي: صفته».

والتصوير في اصطلاح الأصوليين والفقهاء فلم يرد له تعريف محدد عندهم؛ ولعل ذلك اكتفاء بظهور معناه اللغوي؛ إذ إنهم يقصدون بالتصوير بيان حقيقة الشيء ليتضح في ذهن الفقيه، ولا يكفي في ذلك مجرد التعريف الذي هو وسيلة التصور المنطقي، بل إن التصور الفقهي للمسألة يقترب أو يكاد يكون إدراكًا الواقع الذي هو الركن الأساسي في أركان الإفتاء.

يقول الغزالي متكلمًا عن علم الصحابة وعلم من بعدهم: «فإنهم -أي الصحابة- اشتغلوا بتقعيد القواعد وضبط أركان الشريعة وتأسيس كلياتها ولم يصوِّروا المسائل تقديرًا، ولم يبوِّبوا ذلك الأبواب تطويلًا وتكثيرًا، ولكنهم كانوا يجيبون عن الوقائع مكتفين بها، ثم انقلبت الأمور إذ تكررت العصور وتقاصرت الهمم وتبدلت السير والشيم فافتقر الأئمة إلى تقدير المسائل وتصوير الوقائع قبل وقوعها ليسهل على الطالبين أخذها عن قرب من غير معاناة تعب».[المنخول: ص608، ط. دار الفكر].

ينتقل الفقيه من بعد ذلك إلى المراحل التالية: التكييف .
وقد نص أهل العلم على أنه لا يجوز للمفتي التساهل في تصور المسألة والتسرع في الفتوى قبل استيفاء النظر والفكر في المسؤول عنه، ولذا نص من صنَّف في آداب الإفتاء أن المفتي عليه تأمل رقعة الاستفتاء كلمة كلمة ولتكن عنايته بتأمل آخرها أكثر، فإذا مر بمشتبهٍ سأل عنه المستفتي ونَقَطَه وشَكَلَه مصلحةً لنفسه ونيابة عمن يفتي بعده، ويلزمه التوقف عن الجواب عند عدم تصور الواقعة لعدم القدرة على تحقيق المناط المناسب لها، وأن يستفسر مِن السائل عن مقصوده ويطلب منه بيان مراده ليتمكن من الجواب الصحيح له. [أدب الفتوى لابن الصلاح: ص124].

يقول النووي: «إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلًا ولم يحضر الواقعة، فقال الصيمري: يكتب: يزاد في الشرح ليجيب عنه، أو: لم أفهم ما فيها فأجيب ... وقال الخطيب: ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مفتٍ آخر إن كان، وإلا فليمسك حتى يعلم الجواب».

وقد جعل ابن الصلاح في قوله السابق تصور المسألة شرطًا لتحقيق المناط المناسب لها، فالمفتي حين بحثه عن حكم مسألة جديدة فإنه يسلك عدة طرق في سبيل للكشف عن حكمها، ومن هذه الطرق: التحقق من ثبوت علة حكم مسألة منصوص عليها في هذه المسألة الجديدة، ومن ثَمَّ يثبت بإلحاق غير المنصوص بالمنصوص وهو القياس الشرعي، ولا يمكن تحقيق المناط إلا بالتصور الصحيح للمسألة المراد إلحاقها.
وكل هذه الآداب التي ذكرها من ألَّف في آداب الفتوى تتضافر لتكون في مجموعها عدة أمور يصح جعلها ضوابط التصور الصحيح للمسألة محل الفتوى.

ولهذا التصور مدرك شرعي، فهو ليس أمرًا الفقيه فيه بالخيار بين الإقدام عليه أو الإحجام عنه، فالتصور الخاطئ لمحل الفتوى -مهما كان سببه- فنتيجته خطأ الفتوى، بل وإثم المفتي إن قصَّر في التصور الكامل أو الصحيح، فهو من قبيل التقول على الله بغير علم، وهو غير جائز، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].

ولبلوغ المفتي كمال التصور الصحيح فإن عليه مراعاة عدة أمور، وهي:

أولها: جمع أكبر قدر من المعلومات عن المسألة محل الفتوى، فيعرف نشأتها وعناصرها وأنواعها وكيفية وقوعها، وخصائصها وأطرافها وتطورها، وهذا الجمع سهل في ظل الثورة المعلوماتية المعاصرة، لكن قد يحتاج الفقيه إلى ممارسة ومعايشة لواقع المسألة ليكمل تصوره لها. ويقضي هذا الجمع الرجوع إلى المختصين لا سيما في العلوم البعيدة عن التخصص الشرعي كالطب والاقتصاد مثلًا.

ثانيها: الاستفسار والاستفصال، وهذا يَرِدُ إن كان للمسألة صاحبٌ معين بحيث يستفسر منه المفتي ما يُشكِل عليه ويشقِّق له السؤال من أجل الوصول للتصور السليم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك قبَّلتَ، أو غمزتَ، أو نظرتَ، قال: لا يا رسول الله، قال: أنكتَها -لا يكني-، قال: فعند ذلك أمر برجمه)). [متفق عليه واللفظ للبخاري].

وعن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا، قال: فارجعه)). [متفق عليه].

والشاهد فيه: استفصال النبي صلى الله عليه وسلم واستفساره من أجل أن يحكم في الواقعة بعد التصور الكامل لها.

وقد يلجأ المفتي للتشقيق عند تصور المسألة تصورًا كاملًا مع عدم معرفته بحال السائل، أو عندما تكون المسألة عامة، فمثلًا يقول: إن كانت الصورة كذا فالحكم كذا، وإن كانت كذا فالحكم كذا ... إلخ، ولهذا شاهد من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم، فعن سلمة بن الـمُحبِّق، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته، ((إن كان استكرهها فهي حرَّة وعليه لسيدتها مثلها، فإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها)). [رواه أحمد وأبو داود والنسائي].

ثالثها: أن يَخبَر المفتي أحوال الناس ويعايشهم ويخالطهم، ويعرف أساليبهم في التعامل، بحيث يقوى عنده جانب الفراسة التي تجعله يميِّز ولا يشتبه عليه الحق بالباطل، فمن استفتي في مسألة ولم يكن خبيرًا بواقع الناس وبعيدًا عن المخالطة فربما أوقعه ذلك في تصور خاطئ. يقول ابن الصلاح: «لا يجوز له أن يفتي في الأيمان والأقارير ونحو ذلك مما يتعلق بالألفاظ إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ بها، أو متنزلًا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها؛ لأنه إذا لم يكن كذلك كثر خطؤه عليهم في ذلك كما شهدت به التجربة». [أدب الفتوى: ص71].

وهذا يرتبط بوجه وثيق بمعرفة مآلات الأفعال، ولا نبعد إن قلنا: إن بين معرفة المفتي للواقع -وقراءته له قراءة حاذق- وبين معرفته بمآلات الأفعال علاقة سببية، فالمعرفة الأولى سبب في الثانية.


فمراعاة هذه الضوابط في تصور المسألة مُؤذِنٌ بصحة التصور، فصحة البدايات مرتَّب عليها صحة النهايات، والمقصود بالبدايات هنا التصور، وبالنهاية بيان الحكم.

اضافة تعليق