شعوبًا وقبائل لتعارفوا..

وثيقة النبي مع "نصارى نجران" نموذج في التعايش مع الآخر

الإثنين، 27 أغسطس 2018 01:29 م
شعوبا وقبائل لتعارفوا

ينظر بعض المتطرفين للحياة على أنها محطة للصراع مع غيره من البشر على مختلف ديانلتهم وأفكارهم وعقائدهم، في الوقت الذي يتناسى فيه هؤلاء أن الله جل وعلا خلق الناس شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم، فلا يخرج حصاد معيشة هؤلاء الذين يؤمنون بالصراع عن الهلاك الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "هلك المتنطعون"، كما تذهب شعائرهم حسرات عليهم مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم أيضًا: "إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى".

كيف انتشر الإسلام؟
لم ينتشر الإسلام وتستقر دولته، إلا بعد أن انتشر الأمن في المدينة المنورة‏,‏ بين جميع أطيافها من مسلمين ويهود ومشركين، ‏في إطار وثيقة المدينة التي عملت علي تحقيق مبدأ العدل والمساواة بين سكان المدينة على أساس المواطنة لكل فرد من سكانها‏.

وبعد أن عقد صلح الحديبية مع قريش, ليأمن بذلك الجهة الجنوبية من المدينة وتكون الدعوة الإسلامية في حرية، عمد النبي صلى الله عليه وسلم لتأمين الجهة الشمالية للمدينة، فعقد معاهدات مع غير المسلمين خارج حدود دولة المدينة, حيث عقد اتفاقية سلمية مع نصاري نجران في العام العاشر من الهجرة, ومع يهود فدك وأيلة وتيماء, ومع بني صخر من كنانة.

بداية تنظيم العلاقة مع غير المسلمين
صالح الرسول صلى الله عليه وسلم، وفد نجران, وأقامهم في شطر مسجده يؤدون شعائر دينهم, وكتب لهم عهدًا جاء فيه: "ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله: على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم, لا يغير أسقف عن سقيفاه, ولا راهب عن رهبانيته, ولا واقف عن وقفانيته", ويروي: "ولا وافه عن وفهيته. وهو القيم علي البيت المعد لعبادة النصاري".

كذلك نص صلى الله عليه وسلم في معاهدته معهم: "أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم, لا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش, ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين".
وجاء هذا الوفد لمناظرة ومجادلة الرسول صلي الله عليه وسلم, فلم يكن من همه أن يسلم أو يفكر في الإسلام, فعمد النبي إلى طريقة أخرى في المعاملة والحوار بصورة تختلف عما فعله مع الوفود الأخرى, ففي البداية حين دخلوا عليه وسلموا عليه, لم يرد عليهم السلام ولم يكلمهم, ونصحهم سيدنا علي بن أبي طالب بأن يضعوا حللهم وخواتيمهم ثم يعودوا إليه, ففعلوا ذلك فسلموا فرد عليهم سلامهم.

ولما أرادوا أن يصلوا بالمسجد عندما حان وقت صلاتهم, هم بعض المسلمين بمنعهم فقال صلي الله عليه وسلم: دعوهم! فاستقبلوا المشرق وصلوا صلاتهم.

يقول ابن القيم: "في القصة جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين, وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضًا, ولا يمكنون من اعتياد ذلك".

الدعوة إلى الله
لم ينظم التعايش علاقة المسلمين بغيرهم فقط، ولكن كان السبيل الوحيد لنشر الدعوة ودخول الناس لدين الله أفواجًا، من خلال احتكاك غير المسلمين بعقائد المسلمين ومعاملاتهم، انطلاقًا من قوله تعالى: "ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين"( النحل:125).

عمارة الأرض
ومن المقاصد العليا للإسلام في تنظيم العلاقة بين أهل الأرض التي استعمرهم فيها، هي عمارة الأرض، وتزكية النفس، وتبادل المصالح والأفكار والمنافع وتقوية العلاقات بين البشر، وليس هناك أبلغ وأوفى بالقصد من أن الإسلام أحلَّ للمسلمين طعام أهل الكتاب، كما أحلَّ لهم الزواج من نسائهم؛ وهل هناك أسمى وأرقى صورة للتعايش السلمي والتواؤم الحميم، من أن يكون لأولاد المسلم أمهات وأخوال وخالات وأجداد من اليهود والنصارى؟!.

السلام مع الجوار
كما نظم النبي صلى الله عليه وسلم، علاقة المسلمين بغيرهم من دول الجوار، فدولة الإسلام علاقتها بدول الجوار علاقة سلم واحترام وحسن تعامل, وهذا ما بدا في كتابه صلي الله عليه وسلم لملك اليمن حيث قال له: وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم, ومن كان علي يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها.
كما أن الإسلام نفسه حرص على وجود مبدأ التعايش السلمي في الإسلام؛ أنه لم ينكر الأديان السماوية التي سبقته، بل أوجب على أتباعه الإيمان بجميع كتبهم ورسلهم، وعدم التفرقة بينهم؛ مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" (البقرة: 285).

البر بالغير
لعل من أبرز صور البرِّ بأهل الكتاب ما أوجبه الله تعالى على المسلمين ورغَّبهم فيه؛ قال تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" ([الممتحنة: 8)، وكذلك قوله عز وجل: "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ" (المائدة: 5)، فإن الأحكام الواردة في هاتين الآيتين الكريمتين، والتي تتعلق ببر أهل الكتاب، يظل العمل بمقتضاها ساريًا عبر العصور والأزمان؛ فمن المقرر أن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".

 إشكاليات وفهم مغلوط
ويظن بعض المتطرفين، أن الإسلام لا يقر بمبدأ التعايش مع الآخر، مستندين إلى نصوص وردت في السنة المطهرة فهموها على غير مقاصدها، فهو ظنٌّ لا أساس له من الصحَّة؛ ومن هذه النصوص التي أشاروا إليها ما أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، وما أخرجه البزار في مسنده عن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ".

وفي هذا يرد الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق، بأن "الفهم الذي يظنُّ أن الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب أمر يتنافى مع مبدأ التعايش السلمي لهو فهم ينزع النصوص من سياقاتها وسباقاتها؛ لأنه يجب أن تفهم النصوص في ضوء السباق واللحاق، وهذا الأمر بالإخراج قد ورد في ظروفٍ مخصوصة ووفق ضوابط محددة، فهمها واستوعبها العلماء المحققون، الذين وقفوا على معنى شريعة الإسلام وروح نصوصها؛ حيث ذهبوا إلى أن الأحاديث الشريفة وإن ورد فيها الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، إلا أنَّ المراد به بعض الجزيرة لا كلها، وهو الحجاز خاصةً.

لا تبادر بالعداوة
يقول الإمام الشافعي: "يايونس، إذا بلغ لك عن صديق ماتكرهه، فإياك أن تبادره بالعداوة فتكون ممن أزاد يقينه بشك، و  زن الناس بحسناتهم وليس بموقفهم منك - فإن لم تجد له حسنات فاعفو فإن لم تقبل أن تعفو فكافئه بسيئته و ليس أكثر من ذلك فتظلمه".

اضافة تعليق