قصة إنشاء قطار الحجاز لنقل الحجيج.. وتدمير "لورانس العرب" له

الإثنين، 27 أغسطس 2018 12:43 م
قطار الحجاز


حتى قبل أكثر من مائة عام كانت هناك سكك حديد الحجاز، التي كانت تنقل الآلاف من الحجيج، للأراضي المقدسة، والتي يرجع تاريح إنشائها إلى 2 مايو 1900، في عهد السلطان العثماني عبدالحميد الثاني، من أجل توحيد العالم الإسلامي وتمكين الحجاج من الوصول بسهولة إلى مكة.

بالإضافة إلى تأمين رحلة الحج وتخفيف المشقة التي كان يعانيها المسافرون، وهو المشروع الذي أطلق عليه «قطار الحجاز» وبلغت تكلفته أكثر من 3 ملايين ليرة عثمانية، وبلغ طول الخطوط نحو 1464 كيلومترًا.

 في الوقت الذي كانت فيه رحلة الحج تستغرق أكثر من 40 يومًا، وكان الكثير من الحجاج يلقون حتفهم في طرق الصحراء الوعرة، ليسهل قطار الحجاز ويختصر الوقت في الوصول إلى مكة إلى 5 أيام فقط.

وكشفت وثائق تاريخية نشرها موقع "عربي بوست"، أن عملية تمويل إقامة سكة حديد الحجاز مثلت أكبر التحديات التي واجهت المشروع، فقد كانت كفيلة بوأده في مهده؛ بسبب الديون وفوائدها التي أثقلت كاهل الدولة العثمانية، خاصة بعد استنزاف حرب القرم لها.
 لكن الدعاية للمشروع، التي ارتكزت على كونه دعوة لكل مسلمي العالم بجميع مذاهبهم وباعتباره مشروعًا إسلاميًا وحدويًا يرتكز على أهمية الشعائر الدينية، نجحت في إيقاظ روح الهمة داخل المسلمين وبدأت عملية التبرع.

 وافتتح السلطان العثماني حملة التبرعات بمبلغ 50 ألف قطعة ذهب عثماني من أمواله الخاصة، بالإضافة إلى 100 ألف قطعة ذهب عثماني من صندوق المنافع، تبعه بعد ذلك شاه العجم، الذي تبرع بـ50 ألف ليرة ذهبية بالاكتتاب، ثم خلفه خديوي مصر الذي تعهد بتقديم كل المستلزمات اللازمة لإقامة المشروع.

كما طُبعت أوراق تذكارية من شهادات تكريم وطوابع، وكانت هناك أيضاً ميداليات للمتبرعين ونياشين وأوسمة وألقاب، واقتُطعت بضع ليرات من مرتبات الموظفين العاملين بالدولة العثمانية كمساهمة منهم في المشروع.

وامتدت حملات التبرع إلى توافد الأموال من إيران والسودان والجزائر والهند، إلى جانب مصر، التي تشكلت بها لجنة الدعاية لمشروع سكة حديد الحجاز برئاسة أحمد باشا المنشاوي. كما أسهمت الصحف المصرية -مثل جريدتي «اللواء» و»المؤيد»- في عملية الدعاية.

 وواجهت عملية تنفيذ مشروع سكة حديد الحجاز عددًا من التحديات؛ أولها في اختيار منطقة مقاوِمة للكثبان الرملية المتحركة.

وفي النهاية، وقع الاختيار على منطقة بطن الغول الواقعة في الأردن؛ لامتلائها بالرواسب الصلصالية وشتى أنواع الأحجار، ما يسهل من عملية إقامة سدود مانعة قوية من الأحجار والطين. وبُني منحنى حجري ضيق يوازي الخط الحديدي ويعمل على التخلص من تراكم الرمال على الخط.

في حين كان التحدي الثاني كان نقص المياه، وتم التغلب عليه عن طريق حفر آبار وإدارتها عبر مضخات بخارية أو طواحين هواء.

ولأن السكة الحديدية كانت تمر على مناطق مرتفعة وأخرى منخفضة، فقد أُنشئ نحو 2000 جسر من الحجر المنحوت، وبُنيت محطات الحراسة للتزود بالماء والمؤن والفحم، كما وُزِّعت المحطات على مسافات قدرها 20 كيلومتراً؛ لاستيعاب التجمعات المدنية القاطنة في مناطق معزولة وموحشة.

الحروب وقطار الحجاز

وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى بدأ الجيش التركي في استخدام قطار الحجاز لأغراض عسكرية. وبعد اندلاع الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، أمير مكة، ضد العثمانيين 1916، أعلنت بريطانيا مساندتها تلك الثورة؛ لذلك اعتبرت بريطانيا وحلفاؤها العرب سكة حديد الحجاز هدفاً عسكرياً يعمل ضد مصالحهم؛ لأنه ينقل الجنود والعتاد في أثناء الحرب.

وأدى ذلك إلى مهاجمة الضابط الإنجليزي «تي إي لورانس» الشهير بـ «لورانس العرب» في عام 1917، خط السكة الحديدية جنبًاً إلى جنب مع جنود الثورة العربية الكبرى.

وبعد انتهاء الحرب سقطت المدينة المنورة بيد الثوار العرب في يناير 1919، كما تقاسمت فرنسا وبريطانيا بلاد الشام فيما بينهما. ومن حينها، توقفت صافرة قطار الحجاز عن الدوي وتعرض للإهمال.

واستمر قطار الحجاز يعمل بين دمشق والمدينة المنورة قرابة 9 سنوات، نُقل خلالها الآلاف من الحجاج والتجار، وانتهت رحلاته بعد الحرب العالمية الأولى.

وتقف اليوم عربات القطار المُعطلة بمحطة السكة الحديدية في عُمان، ففي متحف مكون من غرفة واحدة تُعرَض بقايا قطار الحجاز وحطامه، إلى جانب تذاكر السفر القديمة والصور الفوتوغرافية والفوانيس.

وتقبع بداخل المتحف إحدى عربات القطار التي رُممت بشكل جميل في بداية القرن العشرين، وما زالت تحتفظ بكراسيها المخملية المكسوة بالقطيفة والمصابيح الذهبية، لتعطي الزائر إحساسًا ببذخ تلك الحقبة الزمنية.

ولم يقتصر العنصر الجمالي على عربات القطار وحطامه، وإنما امتدت لتشمل بنايات محطات ذلك القطار. فمحطة دمشق، التي صممها وأشرف على تنفيذها المهندس المعماري الإسباني فرناندو دا أراندا، تعد من أجمل الأبنية السورية؛ إذ ما زال يتوافد الكثير من السياح لرؤية طرازها المعماري الفريد بما يحتويه من نقوش إسلامية وأشكال معمارية تحكي قصة سفر الحجيج إلى الأراضي المقدسة.

 أما محطة المدينة المنورة، التي تُعرف أيضاً باسم «الاستسيون»، فكانت المحطة النهائية لخط قطار الحجاز، وهي أحد أجمل المعالم السياحية التاريخية في المدينة المنورة؛ لأنها بُنيت وفق مزيج هندسي من فنون العمارة التركية والنقش العربي الإسلامي. وتتكون المحطة من عدد من المباني؛ مثل المبنى الرئيسي، ومبنى خاص بورشات الصيانة، وبرج مائي مزود بخزانات.

كما يوجد بداخل محطة المدينة المنورة مسجد السقيا، الذي بُني في عهد الرسول، وتحديداً في أثناء خروجه لغزوة بدر، وهو أحد أهم المساجد التاريخية بالمدينة المنورة. وترجع تسميته لوقوعه بالقرب من بئر السقيا التي كانت ملكاً للصحابي سعد بن أبي وقاص.

اضافة تعليق