درس عظيم في قصة يونس عليه السلام: "لا تغضب"

الإثنين، 27 أغسطس 2018 11:09 ص
يونس عليه السلام


وردت قصة نبي الله يونس عليه السلام أربع مرات في القرآن الكريم، في سور النساء والأنعام ويونس والصافات، وذكر بوصفه ولقبه "ذي النون" و"صاحب الحوت" في موضعين من سورتي "الأنبياء" و"القلم"، وقد أرسله الله تعالى إلى قومه في مدينة نينوى في الموصل بالعراق، داعياً إياهم أن يتركوا عبادة الأصنام ويتوجهوا لعبادة الله تعالى دون أن يشركوا به شيئًا.

 ويقال إن يونس هو: يونس ابن متى ويعود نسبه إلى بنيامين شقيق سيدنا يوسف بن يعقوب من أبيه وأمه.

وكان أهل نينوى عددهم أكثر من مائة ألف قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ سورة الصافات، وقد دخلت فيهم الوثنية و عبادة الأصنام وكان لهم صنمٌ يعبدونه يسمى “عشتار”، فأرسل الله عز وجل فيهم نبي الله يونس عليه السلام ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، وقيل إنه أقام فيهم ثلاثًا وثلاثين سنة ولم يؤمن به خلال هذه المدة غير رجلين.

ولما أصروا على كفرهم وعبادة الأصنام، يأس يونس عليه الصلاة والسلام منهم وخرج قبل أن يأمره الله تعالى بالخروج وظنّ أن الله تعالى لن يؤاخذه على هذا الخروج من بينهم ولن يضيق عليه بسبب تركه لأهل هذه القرية وهجره لهم قبل أن يأمره الله تبارك وتعالى بالخروج.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأنبياء.

 وقوله تعالى: ﴿وذَا النُّونِ﴾ يعني يونس بن متى عليه السلام و”النُّونِ” أي الحوت وأضيف عليه السلام إليه لابتلاعه إياه، وقوله تعالى: ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي ذهب مغاضبًا لقومه من أهل نينوى لأنهم كذبوه ولم يؤمنوا بدعوته.

وأما قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي ظنَّ أن الله تعالى لن يُضيّق عليه بتركه لقومه قبل أن يؤمر بذلك، ومن ثم فأنه لا يجوز أن يعتقد أن نبي الله يونس عليه السلام ظن أن الله تعالى لا يستطيع عليه لأن هذا مما لا يعذر فيه أحد العوام فضلًا عن نبي كريم.

حذّر يونس أهل نينوى من العذاب إن لم يؤمنوا به ويتبعوا دين الإسلام، ثم خرج مغاضبًا لهم لإصرارهم على كفرهم وعدم اتباعهم دعوته، ولما خرج عليه السلام وهو آيسٌ منهم تغشاهم صباحًا العذاب وصار قريبًا جدًا منهم، وقيل: ظهرت السُّحُب السوداء في السماء وثار الدخان الكثيف وهبطت السحب بدخانها حتى غشيت مدينتهم واسودت سطوحهم ولما أيقنوا بالهلاك والعذاب أنه واقع بهم طلبوا يونس عليه السلام فلم يجدوه، وألهمهم الله التوبة والإنابة فأخلصوا النية في ذلك وقصدوا شيخًا وقالوا له: قد نزل بنا ما ترى فماذا نفعل؟ فقال لهم: آمنوا بالله وتوبوا، عند ذلك آمنوا بالله وبرسوله يونس عليه السلام فاستجاب الله منهم وكشف عنهم بقدرته ورحمته العذاب الشديد الذي كان قد دار عليهم، يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ سورة يونس.

لما وعد يونس بن متى قومه بالعذاب بعد ثلاثة أيام إن لم يؤمنوا وخرج من بينهم مغاضبًا لهم بسبب كفرهم وإصرارهم وتماديهم في غيّهم وضلالهم، سار حتى وصل إلى شاطئ البحر فوجد قومًا في سفينة في البحر، فطلب من أهلها أن يركبوه معهم فتوسموا فيه خيرًا فأركبوه معهم في السفينة، وسارت بهم فلما توسطوا البحر جاءت الرياح الشديدة وهاج البحر بهم واضطرب بشدة حتى وجلت القلوب، فقال من في السفينة: إنّ فينا صاحب ذنب، فأسهموا واقترعوا فيما بينهم على أن من يقع عليه السهم يلقونه في البحر، فلمّا اقترعوا وقع السهم على نبيّ الله يونس عليه الصلاة والسلام، ولكن لما توسموا فيه خيرًا لم يسمحوا لأنفسهم أن يلقوه في البحر، فأعادوا القرعة ثانيةً فوقعت عليه أيضًا، فشمّر يونس عليه السلام ليلقي بنفسه في البحر فأبوا عليه ذلك لما عرفوا منه خيرًا، ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت القرعة عليه أيضًا، فما كان من يونس عليه السلام إلا أن ألقى بنفسه في البحر لأنه كان يعتقد أنه لا يصيبه هلاك بالغرق، فلا يجوز أن يظن أن ذلك انتحار منه لأن الانتحار أكبر الجرائم بعد الكفر، وذلك مستحيل على الأنبياء.
وعندما ألقى يونس عليه السلام بنفسه في البحر وكّل الله تبارك وتعالى به حوتًا كبيرًا فالتقمه وابتلعه ابتلاء له على تركه قومه الذين أغضبوه دون إذن، فدخل نبي الله يونس عليه السلام إلى جوف الحوت تحفُّهُ عنايةُ الله، حتى صار وهو في بطن الحوت في ظلمات حالكة ثلاث وهي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت.

ثم إن الحوت بقدرة الله تعالى لم يضر يونس ولم يجرحه ولم يخدش له لحمًا ولم يكسر له عظمًا، وسار الحوت وفي جوفه يونس عليه السلام حتى انتهى به إلى أعماق المياه في البحر، وهناك سمع يونس عليه الصلاة والسلام وهو في بطن الحوت حِسًا وأصواتًا غريبة فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إنَّ هذا تسبيح دواب البحر، فما كان من نبي الله يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت وفي تلك الظلمات إلا أن أخذ يدعو الله عز وجل ويستغفره ويسبّحه تبارك وتعالى قائلًا ما ورد عنه في القرءان: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأنبياء، وسمعت ملائكة السماء تسبيحه لله عز وجل وسألوا الله تعالى أن يُفرّج الضيق عنه، واستجاب الله تعالى دعاءه ونجاه من الغمّ والكرب والضيق الذي وقع فيه لأنه كان من المُسبّحين له في بطن الحوت والذاكرين، وأمر الله تعالى الحوت أن يلقيه في البرّ فألقاهُ الحوت بالعراء وهو المكان القفر الذي ليس فيه أشجار والأرض التي لا يُتوارى فيه بشجر ولا بغيره، ويونس عليه السلام مريض ضعيف.

وقد مكث نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، وقيل غير ذلك. ولولا أنه سبح الله وهو في بطن الحوت وقال ما قال من التسبيح والتهليل للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة ولبُعث من جوف الحوت، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وإنَّ يونسَ لَمِنَ المُرسلينَ * إذْ أبَقَ إلى الفُلكِ المَشحون * فساهَمَ فكانَ مِنَ المُدحضين * فالتقمهُ الحوتُ وهُوَ مُليمٌ * فلولا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسبِّحين * للَبِثَ في بطنِهِ إلى يومٍ يُبعثون * فنبذناهُ بالعراءِ وهُوَ سقيمٌ * وأنبتنا عليهِ شجرةً مِن يقطين * وأرسلناهُ إلى مائةِ ألفٍ أو يزيدونَ * فآمنوا فمَتَّعناهُم إلى حين﴾ سورة الصافات.

ولما أصاب نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام ما أصابه من ابتلاع الحوت له، علم عليه السلام أنّ ما أصابه حصل له ابتلاء له بسبب استعجاله وخروجه عن قومه الذين أُرسل إليهم بدون إذن من الله تعالى، وعاد عليه الصلاة والسلام إلى قومه أهل نينوى في العراق فوجدهم مؤمنين بالله تائبين إليه منتظرين عودة رسولهم يونس عليه السلام ليأتمروا بأمره ويتبعوه، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وأرسلناهُ إلى مائةِ ألفٍ أو يزيدونَ* فآمنوا فمَتَّعناهُم إلى حين﴾ سورة الصافات.

وروى الحاكم في مستدركه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “دعوةُ ذي النون إذ دعا ربهُ وهو في بطن الحون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدْعُ بها رجل في شيء قطُّ إلا استجاب له” قال الحاكم أبو عبد الله: هذا صحيح الإسناد، ورواه الترمذي والنسائي.

قال تعالى: ﴿وإنَّ يونسَ لَمِنَ المرسلين﴾ سورة الصافات، وروى البخاري وغيره بالإسناد عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى“.

ويقال: إن سيدنا يونس دفن على ساحل البحر قبل مدينة صيدا، وقيل: هذا الموضع الذي ألقاه فيه الحوت، والله أعلم بصحة ذلك.

اضافة تعليق