"الله جميل يحب الجمال".. مؤذنون يتعلمون الموسيقى

الأحد، 26 أغسطس 2018 02:41 م
تدريب المؤذنين على الموسيقى

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الصوت الشجي الندي، وكان يستعذب صوت عبدالله بن مسعود، ويقول له: اقرأ علي القرآن، فيرد: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل، قال إني أحب أن أسمعه من غيري، وكان النبي يطلب من بلال بن رباح أن يؤذن للصلاة، ويقول له: أرحنا بها يا بلال.

فالصوت الحسن يجذب قلوب الناس قبل أسماعهم، وكلما كان صوت قارئ القرآن الكريم أو المؤذن جميلاً، كلما أدى ذلك إلى تزايد التعلق به، لأن القلوب تروق إلى الصوت العذب، هكذا جبلها الله تحب كل شيء جميل، جمال الشكل والهيئة وجمال الصوت، فإن الله جميل يحب الجمال.

ولا يخفى أن هناك شكاوى لا تتوقف من رداءة أصوات البعض، وخاصة المؤذنين، وهو ما دفع الحكومة التونسية إلى تنظيم دورة تدريبية للمؤذنين في معهد "الرشيدية" للموسيقى لمساعدتهم على تطوير أدائهم لرفع الأذان عبر تعلم تقنيات موسيقية.

ويتلقى المؤذنون، الذين يعملون عادة بأجر زهيد، دروسًا في الموسيقى لتطوير أدائهم على رفع الأذان ليكون دعوة للفرح والهدوء النفسي.
ومن وسط معهد الموسيقى "الرشيدية"، تتعالى أصوات عشرات المؤذنين موحدة، منادية للصلاة بعيون مغمضة وتركيز عال ثم يتابعون بعدها توجيهات الأساتذة الذين يحاولون تنسيق نبرات أصواتهم لتطوير أدائهم في إنشاد الأذان على الطريقة التونسية "الخاصة والسلمية".

يرتاد هؤلاء المؤذنون مرتين في الأسبوع، "معهد الرشيدية" المتخصص في الموسيقى التراثية والذي يقصده عادة المنشدون وعازفو العود.

يقول مدير المعهد الهادي الموحلي، إنها المرة الأولى منذ عشرات السنين، التي يتلقى فيها المؤذنون دروسًا في الموسيقى تتعلق بتقنيات رفع الأذان في تونس، معلقًا: "سماع الأذان عند الساعة الرابعة صباحًا بصوت جميل وبتقنية عندما يكون الشخص لا يزال في الفراش، يشجع على التقرب من الله".

المؤذن عادل الحيدري، وهو أحد المشاركين في الدورة التدريبية يقول: "هناك أصوات ترفع الأذان لا نحبذ سماعها"، ويأمل المؤذن الذي يعمل في منطقة شعبية في ضواحي العاصمة، أن يكون صوت رفع الأذان مصدر فرح للناس.

ويتقن المتمرسون في الأذان عشر طرق مختلفة في رفع الكلمات المكونة لنداء الصلوات الخمس اليومية: "الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر".

لكن يصعد عدد من المؤذنين المنتدبين من قبل وزارة الشؤون الدينية إلى المنارة لأداء الأذان بتدريب ضعيف في مقابل أجر زهيد. ويرفع الأذان في تونس في غالب الأوقات بأداء مباشر من دون اللجوء إلى التسجيلات. وفي بعض المناطق تتوارث هذه المهنة من الآباء إلى الأبناء.

في غرفة تدريب يغمرها نور خافت في "معهد الرشيدية"، يصغي نحو ثلاثين متدربًا من بينهم موظفون وطلاب وعاطلون عن العمل، بانتباه شديد إلى تعليمات المدربين. ويتناوبون الواحد تلو الآخر على أداء الأذان واضعين أياديهم على الأذن، بحثًا عن الإلهام في أعماق أنفسهم ليخرجوا أصواتهم بأجمل طريقة ممكنة تحت أقواس وجدران المعهد المزخرفة بالأسود والأبيض وبقطع الخزف المطلية باللون الأخضر.

ويتدخل المدرب إلياس بنور ليوقفهم، فيدعوهم تارة إلى تركيز الصوت أكثر وتارة أخرى لإبطاء النسق في مقاطع معينة. وينحدر هذا الأربعيني الذي يؤذن في مسجد بالمدينة العتيقة وسط العاصمة، من عائلة تحفظ القرآن "عن ظهر قلب"، على حد قوله.

وقال وزير الشؤون الدينية أحمد عظوم أثناء حضوره حصة تدريب المؤذنين، إن "الله جميل ويحب الجمال"، مشددًا على أن "رفع الأذان في تونس يدعو للفرح، فهو دعوة للحياة لا للحزن".

ويقول الموسيقي والملحن فتحي زغندة، المشرف على الدورة، إن "الأنغام هي نفسها لكن طريقة الأداء مختلفة". ويضيف "هناك أنغام أطول وأخرى نركز عليها أكثر في تونس خلافا لما هو موجود في الشرق الأوسط". وتكشف نبرة الأذان التونسي عن رهانات الهوية الإسلامية الوطنية.

اضافة تعليق