"بنت الشاطئ".. هدية من السماء غيرت حياتها!

الأحد، 26 أغسطس 2018 11:51 ص
بنت الشاطئ


هي أول امرأة عربية تنال جائزة الملك فيصل في الآداب والدراسات الإسلامية، وأول امرأة تحاضر بالأزهر، ومن رائدات العمل بالصحافة في مصر، إنها المفكرة والكاتبة عائشة عبدالرحمن "بنت الشاطئ"، التي لم يمنع انشغالها بالعلم من أن تعيش واحدة من أعظم قصص الحب مع زوجها وأستاذها الدكتور أمين الخولي.

 



ولدت في مدينة دمياط في منتصف نوفمبر عام 1913، لأب كان يعمل مدرسًا بالمعهد الأزهري بدمياط، سماها "عائشة" تفاؤلاً باسم أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وكنَّاها بـ"أم الخير"، وكان جدها لوالدتها شيخًا بالأزهر، حفظت القرآن الكريم في كتّاب القرية.

وعندما أرادت الالتحاق بالمدرسة في سن السابعة، رفض والدها، لأن التقاليد لم تكن تسمح آنذاك؛ فتلقت تعليمها بالمنزل، وقد بدأ يظهر تفوقها ونبوغها في تلك المرحلة، عندما كانت تتقدم للامتحان فتتفوق على قريناتها على الرغم من أنها كانت تدرس بالمنزل.

كان ترتيبها الأولى على القطر المصري في شهادة "الكفاءة للمعلمات" عام 1929، ثم حصلت على الشهادة الثانوية، بعدها التحقت بجامعة القاهرة لتتخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية 1939، وكان ذلك بمساعدة والدتها؛ فأبوها كان يأبى ذهابها للجامعة، وألفت كتابًا بعنوان "الريف المصري" في عامها الثاني بالجامعة، ثم نالت الماجستير بمرتبة الشرف الأولى عام 1941.

ارتباطها بالصحافة كانت من خلال حرصها على رعاية جدها القعيد بقراءة الجرائد والصحف له يوميًّا، مع تَجرِبة قلمها في كتابة العرائض والمقالات التي يرسلها الجد من خلال الصحف لحل بعض المشاكل المتعلِّقة بدمياط، وغيرها من القضايا العامة.

والتحقت للعمل بجريدة "الأهرام" في سنة 1935، بعد أن قابلت "جبرائيل تكلا" صاحب الجريدة، الذي ضمها لأسرة الجريدة بتوصية من أنطوان الجميل، وكانت تكتب باسم مستعار وهو "بنت الشاطئ"، خوفًا من إثارة حفيظة والدها، فقد كانت توقع بهذا الاسم نسبة إلى شاطئ دمياط الذي عشقته في طفولتها.

بعد ذلك التحقت بكلية الأداب في عام 1935  أيضًا، لتقابل الدكتور أمين الخولي، أستاذها بالجامعة، صاحب الصالون الأدبي والفكري الشهير بمدرسة الأمناء، والذي كان له أكبر الأثر في إحداث "تغيير" جِذري في تفكيرها وأسلوبها العلمي، وقد تزوجت منه وأنجبت منه أكرم وأمينة، اللذان توفيا في حياتها، ولتكتب قصة عشقها له في كتاب "على الجسر" وهو السيرة الذاتية لها.

تَصِف بداية رحلتها مع أستاذها وزوجها لاحقًا، فتقول: "منذ ذلك اللقاء الأول، ارتَبطت به نفسيًّا وعقليًّا، وكأني قَطعتُ العمر كله أبحث عنه في متاهة الدنيا وخِضَم المجهول، ثم بمجرد أن لقيته لم أشغَل بالي بظروف وعوائق، قد تَحول دون قربي منه، فما كان يعنيني قط سوى أني لَقيته، وما عدا ذلك، ليس بذي بال!".

ونالت الدكتوراه عام 1950 وناقشها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.

وترى "بنت الشاطئ" أن ثمة إشارات روحانية في حياتها أسهَمت في تغيير مسار حياتها، أو بالأصح رسَمت الطريق الذي خطَت عليه أُولى خطواتها، واستكمَلتْ فيه مسيرتها العلمية والأدبية، ولعل من أبرز تلك الإشارات إيمانها بالرؤى والمنامات؛ حيث حَلَمتْ في بداية حياتها أن ملاكًا هبَط من السماء وأهداها مصحفًا لم تقع عينها على أكثر منه فخامة.

تقول: "كنت بحكم ظروف نشأتي وبيئتي، أنفعِل بالأحلام، وأتأثر بالرؤى، فلما صحوت من نومي أدركت عن يقين أن حياتي كلها مرتَبطة بهذا المصحف، هدية السماء إليَّ في رؤياي..".

وفي مشهد آخر من مشاهد حياتها، تروي أنها حلمت قبل اختبار مادة التاريخ بامتحانات السنة الثالثة الثانوية بأنها في لجنة الامتحان تقرأ من ورقة التاريخ وأوَّل سؤال فيها عن "مارتن لوثر كينج وحركة الإصلاح الديني".

وكانت "بنت الشاطئ" قد غفَلت عن إحضار كتاب "تاريخ أوروبا الحديث" حتى فترة متأخِّرة من الاختبارات، وما استطاعت الإلمام بكافة موضوعاته لضيق الوقت، فما كان منها إلا أن صَحَت من نومها وذاكرت هذا الفصل خصيصًا، وكانت المفاجأة العجيبة صدق الرؤيا في اختبار التاريخ، ومجيء ذلك السؤال فيه، كل ذلك زاد إيمانها بأن هذا تدبير إلهي، تقول عن ذلك الموقف: "ازددت يقينًا بأن الله معي.. على الطريق..".

وقد تميَّزت عن أقرانها بجمعها النادر بين الدراسة العميقة لعلوم الإنسان وعلوم العربية، حيث قرَّرت البيان القرآني أصلاً للدرس البلاغي، والدلالات القرآنية أصلاً للدرس اللغوي، والشواهد القرآنية أصلاً للدرس النحوي، ومنهج علماء الحديث أصلاً للمنهج النقلي وتحقيق النصوص وتوثيقها. وكان تحقيقها للنصوص نموذجًا جيدًا في خدمة النص وتذليل ما فيه من عقبات، وتقريبه إلى القارئ والباحث بتوضيح ما فيه من غموض وتصحيح ما اعتراه من تصحيف أو تحريف.

ومن أبرز ما قامت به في ذلك المجال تحقيق "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، وكتابة دراسة شاملة عنها بعنوان "الغفران".

ونالت "بنت الشاطئ"، العديد من الجوائز والأوسمة؛ ومنها جائزة الحكومة المصرية في الدراسات الاجتماعية والريف المصري، وجائزة المجمع اللغوي في القاهرة لتحقيق النصوص، وجائزة القصة القصيرة، وجائزة الدولة التقديرية في الأدب، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من مصر، ووسام الكفاءة الفكرية من الملك الحسن الثاني، وجائزة الأدب من الكويت.

وكانت عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، والمجلس الأعلى للثقافة، والمجالس القومية المتخصصة في مصر، وقد أطلق اسمها على العديد من المدارس والقاعات الدراسية في بلادها وفي عدد من الدول العربية الأخرى.
ومُنِحت جائزة الملك فيصل في الآداب والدراسات الإسلامية، وذلك لتميزها بغزارة الإنتاج، خاصة في التفسير البياني للقرآن الكريم.

وتركت "بنت الشاطئ"، وراءها أكثر من أربعين كتابًا في الدراسات الفقهية والإسلامية والأدبية والتاريخية، وأبرز مؤلفاتها هي: التفسير البياني للقرآن الكريم، والقرآن وقضايا الإنسان، وتراجم سيدات بيت النبوة، وكذا تحقيق الكثير من النصوص والوثائق والمخطوطات، ولها دراسات لغوية وأدبية وتاريخية أبرزها: نص رسالة الغفران للمعري، والخنساء الشاعرة العربية الأولى، ومقدمة في المنهج، وقيم جديدة للأدب العربي، ولها أعمال أدبية وروائية أشهرها: على الجسر.. سيرة ذاتية، سجلت فيه طرفًا من سيرتها الذاتية، وكتبته بعد وفاة زوجها أمين الخولي بأسلوبها الأدبي. وكتاب "بطلة كربلاء"، وهو عن السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب، وما عانته في واقعة عاشوراء في سنة 61 بعد الهجرة، ومقتل أخيها الحسين بن علي بن أبي طالب، والأسر الذي تعرضت له بعد ذلك. 

ومن مؤلفاتها سكينة بنت الحسين، مع المصطفى، مقال في الإنسان، نساء النبي، أم الرسول محمد..آمنة بنت وهب، أعداء البشر، أرض المعجزات.. رحلة في جزيرة العرب.

ولم تكتفِ "بنت الشاطئ" بالكتابة فحسب، بل خاضت معارك فكرية شهيرة، واتخذت مواقف حاسمة دفاعًا عن الإسلام، فخلَّفت وراءها سجلاًّ مشرفًا من السجلات الفكرية التى خاضتها بقوة؛ وكان أبرزها معركتها ضد التفسير العصرى للقرآن الكريم ذَوْدًا عن التراث، ودعمها لتعليم المرأة واحترامها بمنطق إسلامى وحجة فقهية أصولية دون طنطنة نسويَّة، ومواجهتها الشهيرة للبهائيَّة فى أهم ما كُتب فى الموضوع من دراسات مسلِّطةً الضوء على علاقة البهائية بالصهيونية العالمية، وكذا دراساتها الرائدة عن تراجم سيدات بيت النبوة، وأبحاثها حول الحديث النبوي: تدوينه ومناهج دراسته ومصطلحاته.

وتُوفِّيت في مطلع ديسمبر عام ١٩٩٨، عن عمر ناهز خمسة وثمانين سنة، وقد ودّعتها مصر في جنازة مهيبة حضرها العلماء والأدباء والمثقفين الذين جاءوا من شتي الدول العربية، ونعاها الأزهر الشريف، وأصدرت الحكومة المصرية طابعًا تذكاريًا خاصًا يحمل رسمها.

ومن تصاريف القدر أن تكون آخر زياراتها خارج مصر لحضور فعاليات جامعة الصحوة الإسلامية بالرباط بنهاية أكتوبر 1998، ويحتفي بها طلابها الذين صاروا رُوَّادًا ومتنفذين؛ ولذا أعلنت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية المغربية عند وفاتها عن إقامة سرادق لتقبل العزاء فيها في لفتة نادرة تعكس مكانته من الخليج إلى المحيط.

اضافة تعليق