أشياء نبحث عنها طوال العمر.. ولم نجدها إلا في الحج!

الثلاثاء، 21 أغسطس 2018 11:00 م
الحج

شيئان جعل الله فيهما الكثير من المعاني، يجب على الإنسان التدبر فيهما، هما: الحج والموت، حيث يحمل كل منهما كل الأشياء التي يفتقدها الإنسان في الدنيا، من تجرد ومساواة وعدل، وتطهير الأبدان وتزكية النفوس.

فأفعال الحج كلها تربية عملية على الطاعة التامة لله رب العالمين، والإخلاص في العبودية له، والامتثال لأمره،، ‏فضلاً عن شمولها لكثيرٍ من المعاني التي تسهم في بناء مجتمع إسلامي متكامل.

 التجرد

ومن المعاني التي يشتمل عليها الحج التجرد، حينما يترك الإنسان هموم الحياة وتعلقه بها لتصفو نفسه وتسمو روحانيته فيزداد قربا من الله.

 ويبدأ هذا التجرد من أول خطوات الحج بالإحرام، وفي إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة حينما جاء على لسانه في القرآن‏: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ).

 وفي هذه الحالة يتشبه الإنسان بالملائكة، (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).

 
وفي ذلك يقول الإمام الغزالي‏: "‏التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين,‏ والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين‏ والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين‏‏ فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان,‏ والمتجرد للشر شيطان‏‏ والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان".

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «‏من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (‏صحيح البخاري).‏

المساواة

وتتجلى المساواة في أسمى معانيها خلال الحج بين المسلمين، فقد أوجبَ الله سبحانه وتعالى فريضةَ الحجِّ على الناس كافة وقال عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97].

ومن مظاهر المساواة في إحرام الحجيج، ارتداء جميع الحجاج من الرجال على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، إزارًا ورداء أبيضَيْنِ، فليس لأحدٍ مَزيَّة أو خاصية ينفردُ بها على غيره من المُحْرِمين في اللِّباس، والمرأة تَلْبَسُ ما تشاء من ألبستها وَفْقَ الضوابط الشرعية في لباس المرأة المسلمة.

 كما يستوي الجميع في المرور بالمواقيت المكانية للإحرام بها، وما يترتَّب على ذلك من أحكام، ويدلُّ على ذلك قولُ النبي عليه الصلاة والسلام: ((هُنَّ لهُنَّ، ولمَن أتى عليهنَّ من غير أهلِهنَّ ممن أراد الحجَّ والعمرة، ومن كان دونَ ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهلُ مكة من مكة))؛ أخرجه البخاري ومسلم، حيث ساوى بين أهل المواقيت والمارِّين عليها من غير أهلها، فلا يُستثنَى من ذلك إلا أهلُ مكة ومن في حكمِهم، حيث يُحرِمون للحجِّ في بيوتهم، وللعمرة من أدنى الحِلِّ.

 كما أن المسلمين مُتساوون في النزول والوقوف على البِقاع المقدَّسة من أماكن النُّسك من منًى وعرفةَ ومزدلفةَ، قال تعالى: ﴿ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ [الحج: 25]؛ ولذا جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأسبقيَّةَ معيارَ الحصول على الأماكن في منًى، ونهى عن البناءِ فيها؛ سدًّا لذريعة التملُّك الخاصِّ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((منًى مُناخُ مَن سَبَق))؛ جوابًا على طلب الصحابة: (يا رسول الله، ألا نبني لك بيتًا بمنًى يُظلُّك؟).

والناسُ مُتساوون في أحكام النسك، وحينما زعمت قريشٌ في الجاهليَّة أنهم من أهل الحرم فلا يخرُجون من الحرم إلى عرفة، فكانوا يَقفون في مزدلفةَ، أبطَل الله زعمَهم بقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: 199]، وهذا جابر بن عبدالله رضي الله عنه يُبيِّن كيف أبطَل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الزَّعْم في وصفه لحجِّ النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: (فسار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولا تَشكُّ قريش إلا أنه واقفٌ عند المَشْعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفةَ، فوجد القُبَّة قد ضُربت له بنَمِرةَ، فنزل بها، حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمرَ بالقَصْواءِ فرُحِلَتْ له، فأتى بطنَ الوادي).

 
توحيد المسلمين على رجاء واحد

ولا يجتمع المسلمون على نداء واحد ومكان واحد وهدف واحد مثلما يجتمعون في الحج، فقلوب الجميع ترجو المغفرة، والألسنة كلها تنطق بالتلبية منذ نادى إبراهيم في الناس بالحج ممتثلاً قول الله تعالى "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ".

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن التوحيد ويهدم أركان الشرك، لبى بالتوحيد «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».

ولا يقتصر تقرير التوحيد بالأقوال في الحج على البيت الحرام بل يتواصل ذلك في المشاعر كلها؛ فالتلبية والتكبير مستمران طيلة الموسم، يعج بهما الحجاج في تنقلاتهم بين المشاعر لإعلان التوحيد.

فعن ابْن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: "غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ" رواه مسلم.

اضافة تعليق