"وخلق الإنسان عجولاً".. لماذا لا نلح على الله في الدعاء؟

الثلاثاء، 21 أغسطس 2018 12:00 م
الدعاء

في بعض المناطق التي يسكن بها الطلاب المبتعثون بالأزهر الشريف من الدول الإفريقية، وشرق آسيا، ترى هؤلاء الطلاب بعد كل صلاة يجلسون في المسجد، ويظل الواحد منهم يدعو ربه قرابة النصف ساعة كاملة، حتى تشعر أنها عادة اعتادوها من أهلهم وذويهم في بلدانهم التي أتوا منها، لتقارن بينها وبين انشغال المسلمين في بعض البلدان العربية.
حينما تسأل أحدهم عن السبب في إطالة الدعاء بعد كل صلاة، يجيب بأنه اعتاد على الصبر في الدعاء، ويرتل عليك بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تشير إلى هذه العبادة الغائبة، ألا وهي الصبر والإلحاح في الدعاء.
في الوقت الذي يتصور فيه كثير من الناس أنه بمجرد أن يعلن الإنسان توبته ويرفع يده إلى ربه، أنه سينتقل مباشرة إلى النعيم ، فيرتفع عنه البلاء، وتأتيه الأموال، ويعيش في رغد من العيش! رغم إنه ثمة اختبار وابتلاء لتوبة هذا العبد، هل هي صادقة أم لا، وهل هي لله أم ليست له، وكل ذلك سيجعله في ابتلاء جديد؛ بل إن مختصر هذه الحياة وحكمتها : أنها تجربة ابتلاء واختبار .
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: " إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً" (الانسان:2) .

فربما تكون الحكمة الإلهية من تأخر إجابة الدعاء كما قال ابن القيم هو ابتلاء يحتاج إلى صبر، كما أن سرعة الإجابة من البلاء أيضاً، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.. [الأنبياء : 35]، فالابتلاء بالخير يحتاج إلى شكر، والابتلاء بالشر يحتاج إلى صبر .
ويقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله : «أصبحت ومالي سرور إلا في انتظار مواقع القدر، إن تكن السراء فعندي الشكر، وإن تكن الضراء فعندي الصبر ».
فلا يتعارض الدعاء مع الصبر، فقد يصبر الإنسان على القضاء ويدعو الله أن يكشف عنه ما أصابه فيجمع بين الصبر والدعاء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد المرضى للدعاء، فقد قال لعثمان بن أبي العاص لما شكا وجعا يجده في جسده: ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثا. وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. رواه مسلم.
وأتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها.
وقال ابن حجر في فتح الباري من هذا الحديث إن الصبر على البلاء يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة وجواز ترك التداوي، وأن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنفع من العلاج بالعقاقير.
وأضاف أن الله مالك الملك وله الحكمة البالغة فلا يعطي إلا لحكمة، ولايمنع إلا لحكمة، ولا اعتراض على عطائه ومنعه إن أعطى فبفضله، وإن منع فبعد له، قال تعالى {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.. [البقرة : 216].
ويقول الإمام ابن الجوزي - رحمه اللّه: «إن دعاء المؤمن لا يرد غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة أو يعوض بما هو أولى له عاجلاً أو أجلاً، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض.

اضافة تعليق