لهذه الأسباب.. أخفى الله عنا موعد الموت

الجمعة، 17 أغسطس 2018 10:56 ص
death


الموت من الأمور التي اختص الله تعالى بها نفسه، ولم يطلع عليها أحدًا من خلقه، فلا أحد يعلم كم سيعيش، ولا متى سيرحل، وفي ذلك حكمة اقتضتها إرادة الله أن يخفي اللحظة التي ينقضي فيها أجله، حتى لا يؤجل الإنسان إعماله الصالحات حتى آخر حياته، لكنه يريد أن نكون كذلك على امتداد العمر والزمن، لا نتباطئ عن فعل ما أمرنا به ولا نتقاعس عن تنفيذ ما أوجبه علينا، فكان إخفاء الموعد فيه رحمة من الله للبشر.


يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: لقد وضع الله سبحانه وتعالى من خصائص الموت ما يجعل الإنسان يفيق من غرور وجاه الدنيا ويذكره بقدرة الله سبحانه وتعالى, فأخفى الله موعد الموت.. لماذا؟ حتى يتوقعه الإنسان في أية لحظة.. فكلما اغتر تذكر انه قد يفارق الدنيا بعد ساعة أو ساعات فرجع عن غروره, ورجع إلى الله سبحانه وتعالى.

ولو كان الله قد أعلم كلاً منا بأجله وعصينا الله.. وطغينا في الحياة .. وظلمنا الناس .. ثم نتوب ونستغفر قبل موعد الأجل بأشهر .. في هذه الحالة تنتفي الحكمة من الحياة .

إخفاء الله سبحانه وتعالى موعد الموت هو إعلام به.. ذلك أن إخفاء الموعد يعني أن الإنسان يتوقع الموت في أي لحظة.. ولذلك فإنه إذا كان عاقلاً تكون عينه على الدنيا, وعينه الأخرى على الآخرة.. فإذا ارتكب معصية فهو لا يعرف هل سيمد الله أجله إلى أن يرتكب المعصية ويتوب .. أم أن أجله قد يأتي وقت ارتكاب المعصية, فلا يجد الوقت للتوبة.

وما يقال عن المعصية يقال عن العمل الصالح.. فلو أن موعد الموت معلوم.. لأجل الإنسان العمل الصالح إلى آخر حياته.. ولكن الله يريد أن يكون الصلاح ممتدًا طوال الزمن ولذلك أخفى موعد الموت.. ليعجل الناس بالأعمال الصالحة قبل أن يأتي الأجل.. فكان إخفاء الموعد فيه رحمة من الله للبشر .. رحمة بأن يخافوا المعصية أن تأتي مع الأجل .. ورحمة بأن يسارعوا في الخيرات حتى لا يفاجئهم الأجل.

كما أنه من الرحمة بالإنسان أن الله أخفى عنه موعد الموت، حتى لا تصيبه الهموم، ويظل مغمومًا طوال عمره، لأننا لو عرفنا موعد أجلنا لظللنا طوال عمرنا في هم وكرب، ننتظر اللحظة التي سنموت فيها، ذلك أن الإنسان عندما يتوقع بلاء، فإنه يعيش في هم عميق وهو ينتظره. 

لذلك من رحمة الله ونعمته، أن أخفى عنا موعد الموت حتى نقبل على الحياة بأمل، نفكر بإيجابية، ونعمل بدأب واجتهاد على تحقيق أحلامنا، فلإنسان يخطط لأمر قد يسعى لتنفيذه بعد عام، ويظل يعمل من أجله، وربما حل أجله قبل ذلك، ولكن هذا الأمل في الحياة يجعله يبني ويعمل فيتحقق مفهوم الاستخلاف في الأرض بإعمارها. 

وليس أدل على أن الإنسان مأمور بالعمل حتى آخر لحظة حياته، هو أن الله تعالى أمره بأنه لو كان في يده فسيلة فعليه أن يغرسها، حتى لو قامت القيامة، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل"،  هو يعلم أنه لن يجني ثمارها في الدنيا، لكن ثبت الأجر عند الله، وسيحصد ثمرة عمله في الآخرة.

والنبي صلى الله دعا إلى الإكثار من ذكر "هادم اللذات"، وهو الموت، إلإ أنه ذكر تنبيه حتى لا ننشغل الإنسان عن الإعداد لما بعد الموت، وحتى لا يغفل قلبه عن هذه الحقيقة الآتية بلا شك، فهو الحقيقة المؤكدة، "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ". 

عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذكر الموتَ في صلاتِك، فإنَّ الرجلَ إذا ذكر الموتَ في صلاتِه لحريٌّ أن يُحسنَ صلاتَه، وصلِّ صلاةَ رجلٍ لا يظنُّ أنَّه يُصلِّي صلاةً غيرَها، وإيَّاك وكلُّ أمرٍ يُعتذَرُ منه"، وعن جابِر بن عبدِ الله رضي الله عنه عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلّم: "لو أنَّ ابنَ آدمَ هرَبَ من رزقِهِ كما يهرَبُ من الموتِ، لأدْرَكَهُ رزْقُهُ كما يُدْرِكُهُ الموتُ".

لكنه في الوقت ذاته نهانا عن تمني الموت، في الحديث الذي رواه أبوهريرة: "لا يتمنَّى أحدُكمُ الموتَ، إما محسِنًا فلعلَّه يَزدادُ، وإما مُسيئًا فلعلَّه يَستَعتِبُ". 
والموت له وقت يأتي فيه، فلا يستطيع أحد أن يتجاوز لحظة واحدة من العمر الذي قدره الله، وإن تعددت الأسباب لكنه في النهاية محكوم بإرادة الله وحده وبعلمه لا شريك له: "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا".

كل إنسان له أجل محدود، ورزق معلوم، لا يستطيع أن يتجاوزه بحال من الأحوال؛ لأنه قُدِّر عليه قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وجرى بذلك القلم في اللوح المحفوظ، ففي الحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: "سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشُه على الماء".

وروى عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدَّثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق، قال: "إن أحدكم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا نُطْفة، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم مُضْغة مثل ذلك، ثم يرسل المَلَك فينفخ فيه الروح، ويؤمَر بأربع كلمات: بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد".

وروى أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وكَّل الله بالرحمِ مَلَكًا، فيقول: أي رب، نطفة، أي رب، علقة، أي رب، مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: أي رب ذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كل ذلك في بطن أمه".

فمن أتى أجله، فلا يزاد في عمره نفَس واحد؛ قال تعالى: "فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا"، قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "نعدُّ أنفاسهم في الدنيا"؛ (تفسير ابن كثير). 

اضافة تعليق