الإحساس نعمة.. كيف تشعر بأخيك قبل أن تفقده؟

الثلاثاء، 14 أغسطس 2018 06:04 م
الإحساس نعمة

عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"؛ متفق عليه، دعوة للتماسك والتوحد بين المسلمين، إلا أنه في زمننا هذا يفقد الكثيرون البوصلة، نظرًا لانشغال بعضنا بعض بأمور الدنيا، حتى أن أغلبنا لم يجد من يقترب من مشكلاته، ويساعده في حلها، ويشعر أيضًا أغلبنا بالوحدة، في الكثير من مناسباته، كما يشعر بالغربة في كثير من مشكلاته التي يفتقد فيها نصيحة الصديق والأهل والأقارب.

كان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بأصحابه، وأهله وأقاربه، وقال صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله"، كما حرص على أن نهتم بشئون غيرنا من الناس ونسأل عنهم ونتابع شئونهم، ونشاركهم أحزانهم وأفراحهم، وأزماتهم، حتى ولو بمجرد الاستماع إليهم، والنصيحة المخلصة لهم.

ولعل بعض اللافتات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بها أصحابه بأنه قريب منهم، ويشعر بمشكلاتهم، ويتألم لهم، موقفه صلى الله عليه وسلم مع عمر بن الخطاب، حينما كان يمضي معه ويمسك بيده، ليشعره بمحبته له، فضلا عن موقفه مع عمار بن ياسر حينما استشعر آلامهم وعذابهم على يد المشركين، فبشرهم بالجنة تخفيفا لأحزانهم وآلامهم.

كما كان يشعر كل من يتحدث مع النبي صلى الله عليه معه أنه يهتم به، فإذا تحدث مع النبي أحد شعر وكأنه لم يكن هناك في باله إلا هو، وهو ما كان له أفضل الأثر في نفوس الصحابة، ومشكلاتهم، والمساعدة في حل أزماتهم والتهوين عليهم.

وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن نشارك أهلنا وأصحابنا مشكلاتهم، ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، فهناك بعض العبارات التي إذا قلتها لأخيك حال الإحساس بمشكلاته سيكون لها أكبر الأثر على نفسيته، ولن تكلفك كثيرا، من بينها "أعرف شعورك"، "أفهم ما يدور بداخلك"، "هل لديك أزمة أساعدك" و " لو تشاركني همومك أكون سعيد لعل أجد لك حلا".
فكلها عبارات بسيطرة، ووقتها قليل لكي تعرف ما بنفس أخيك المسلم، فربما شعر أخوك بالوحدة، ولم يريد سوى أن يشعر به الأخرون، فيكون لكلامك أعظم الأثر في نفسه.

وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشعر بالآخرين كنوع من التعاون والمساعدة لهم، بل ويكون من الذين يشعرون بما يشعر به غيره، وهو أمر طبيعي وفطري، لكن يختلف الأمر من شخص إلى آخر تبعاً للتربية والمناخ والأسلوب الذى تربى عليه وترعرع فيه؛ لذلك نجد أن الشعور والتعاطف وفن الإحساس بالآخر، من الصفات والمشاعر المهمة في علاقة الناس بعضهم ببعض، خاصةً إذا كان هناك قواسم مشتركة بين طرفي هذه العلاقة، وكانت العلاقة محكومة بالمعرفة والاعتراف المتبادلين.
وحذر من الأنانية وحب الذات، فبعض الناس لا همّ له إلاّ نفسه، لا يراعي لك ظرفاً، ولا يرحم لك ضعفاً، ولا غاية له إلاّ مصلحته، ولا تكمل سعادته إلاّ في راحته، حتى ولو كان ذلك على حساب غيره، تُرهقك مطالبه، وتزعجك أوامره، نتيجة هذا الداء المستعصي علاجه، والصعب إصلاحه؛ لأنه ليس عضواً يُبتر، إنما هو إحساس متبلّد، وشعور ميت!.

ويقول خبراء وأطباء علم النفس، إنه عندما تجف داخلَ النفس الإنسانية عاطفة الإحساس بآلام الآخرين وحاجاتهم، وتنعدم من القلوب الرحمة؛ تحل القسوة بالقلوب فتُمسي مثل الحجارة التي لا ترشح بأي عطاء، أو أشد قسوة منها؛ لأن من الحجارة ما تتشقق قسوته الظاهرة، فيندفع العطاء من باطنه ماءً عذباً نقياً، لكن بعض الذين قست قلوبهم يجف من أغوارها كل أثر للفيض والعطاء، فترطيب القلوب القاسية يبدأ بالفعل وليس القول، كتلمّس احتياجات الفقراء، والمسح على رأس اليتيم، مع زيارة المريض، والتخفيف بالدعاء على المبتلى، ومشاركة الأم أو الأب المكلوم الدموع، والضحكة الصادرة من القلب في الفرح، كل هذا من شأنه تليين قسوة القلب، وإعادة بريق الإحساس بالآخرين والتواصل معهم.

الإحساس بالآخرين نعمة عظيمة، أول من طبقها النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأحسّ بمن حوله، فرحمَ الصغير، وقدّر الكبير، وأغاث الملهوف، ونصر المظلوم، وزار المريض، وعزّى المصاب، بل تعدى إحساسه بني جنسه إلى الطير؛ فأمر بإطلاق سراح الحمرة، وإلى الحيوان فعاتب صاحب البعير، وسأل "أبا عمير" عن النقير، وقال في الحديث الصحيح: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وفي حديث آخر قال: "من لا يرحم لا يُرحم".

حتى أنه لما نزل عليه الوحي وفزع، طمأنته السيدة خديجة رضي الله عنها وقالت له: ""كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

اضافة تعليق