سجينًا.. ووزيرًا,, يوسف "إنا نراك من المحسنين": الأخلاق لا تتبدل

الثلاثاء، 14 أغسطس 2018 02:16 م
000000000

في سورة "يوسف"، تكرر وصف "إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" مرتين بحق سيدنا يوسف، المرة الأولى كانت أثناء وجوده داخل السجن، على الرغم من أنه سجن ظلمًا، بعد رفضه الانسياق وراء شهوات امرأة "العزيز"، وفضل أن يودع السجن مع مرارة الأوضاع فيه، وأن تكبل حريته، عن أن يكون حرًا طليقًا، يعيش حياة مرغدة، إذا ما وافق هواها، ورضخ لرغباتها.

يقول القرآن حكاية عن سيدنا يوسف.. "وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ".

لم يقل الفتيان، وهما من غلمان ملك مصر، أحدهما كان يسقي شرابه, والآخر صاحب طعامه ما قالاه بحق سيدنا يوسف من مديح وثناء، إلا لما رأى كل منهما من أثر لأخلاقه عليهما، وكل من معهما في السجن، بعد أن نشط فيما بينهم متحدثًا عن عبادة التوحيد لله الواحد الأحد، وترك الآلهة التي يعبدونها من دونه.

وما أظهره في سلوكه من أخلاق وإيثار، جعلهما يقولان عنه "إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ"، كان يعود مريضهم, ويعزي حزينهم, وإذا احتاج منهم إنسان جَمَع له، وكما يقولون في الشدائد تظهر معادن الرجال، فظهرت صفة الإحسان في يوسف، في طريقة تعامله معهم، وما لمسوه من صدق وإيمان، يخالف المعهود عن السجناء الآخرين.  

لم يركن "يوسف" إلى الحديث عن الظلم الذي وقع عليه، وهو من البداية كان يمكن أن يختار الطريق الآخر لو أراد، لكنه أبي أن يعصى الله ولو كان الثمن هو السجن، "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ"، فلم يستغرق طوال الوقت في الحديث عن الظلم، بل جعل مما تعرض له طاقة إيجابية، استثمرها في إصلاح أحوال السجناء، فرأوا من أخلاقه ما جعلهم يصفونه بأنه من المحسنين.

وهذه من صفات المؤمن على الدوام، لا يتغير أحواله بتغير الظروف، ولا تتأثر أخلاقه بتأثر الآخرين، فهو على مواقفه ثابت، وعلى أخلاقه محافظ، يؤثر في الناس إيجابًا، ولا يتأثر بهم سلبًا، هو كالسراج المنير يضيء النور إذا اشتد الظلام، ولا يطلب ثمنًا لذلك، فهو يبتغي الأجر من الله، ولا ينتظر من أحد جزاءً ولا شكورًا.

وكما أحسن إلى من كانوا معه في السجن، رأى إخوته من إحسانه الكثير على الرغم مما صنعوه به، حتى يتخلصوا منه بدافع الحقد والغيرة، لكنه لم يثأر، ولم يفكر في الانتقام منهم، أو يكيد لهم كما أذوه من قبل حين حاولوا قتله، وألقوا به في البئر، بل كان الصفح شيمته، والعفو خلقه.

عندما قدم أخوة يوسف إلى مصر، للحصول على المؤونة في السنوات السبع العجاف، وبعد أن اختاره الملك ليكون على خزائنها يصرف أمورها، لم يبخل عليهم بأي شيء طلبوه، فأغدق عليهم من الخير الكثير، وأكرم وفادتهم، ورد عليهم ثمن بضاعتهم، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.

حين أعلم "يوسف"، أخاه "بنيامين" بأمره، وطلب منه أن يبقى إلى جواره، كان لابد من حيلة، حتى لا يرتابوا في أمره، ولا يثير أي شكوك نحوه، فوضع "سوار الملك" في رحل أخيه، حتى إذا ما بحث عنه الحراس وجدوه معه، فيكون ذلك سبب مقنعًا للإبقاء عليه، وعدم سفره معهم، فأنطق الله الحق على ألسنتهم: "قَالُواْ ياأيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين".

وذلك هو ما يجب أن يكون عليه الإنسان في كل الأحوال، وفي الحديث: "لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنًا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا".

والإحسان إلى الناس، له أوجه عدة، فهناك الإحسان إلى الوالدين، وكذلك صلة الرحم، والإحسان في إكرام الضيف، والإحسان في مساعدة الفقير، وحتى الإحسان إلى الحيوانات

وروي عن الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها، فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله، وإن لنا في هذه البهائم لأجرا فقال في كل كبد رطبة أجر".

  

اضافة تعليق