عمرو خالد يكتب عن نظرة الإسلام للفقر

الثلاثاء، 14 أغسطس 2018 01:18 م
اسليدر-د-عمرو


دائمًا ما يحدثنا أصحاب الدعوات الإسلامية عن أعداء للإسلام والمسلمين من الأمم الأخرى، لكننا لم نسمع من يحدثنا عن العدو الأول للإسلام والمسلمين.. ألا وهو الفقر.. الذي هو وسيلة الشيطان لإفساد الإنسان، "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" ولأنه وسيلة الشيطان لإفساد البشر حتى يصل بهم إلى الكفر، فمن الطبيعي أن يتعوذ منه النبي "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر". 

الفقر أساس كل المفاسد

وقد أثبت علماء الاجتماع أن هناك علاقة بين تقدير الذات وبين العمل وتكوين الثروة وامتلاك المال، بينما الفقر يأتي بالكفر وبكل المفاسد الأخلاقية السلوكية، ولاعجب أن يروى عن سول الله "كاد الفقر آن يكون كفرًا" رواه البيهقي في الشعب، وكان علي بن أبي طالب يقول: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، وكان النبي يدعو لنفسه "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى"، وكان يعلم أصحابه قيمة المال فيقول: "نعم المال الصالح للرجل الصالح" . 


وقد دعا النبي لخادمه أنس بالغنى "اللهم كثر ماله وولده " فلم يمت إلا وهو من الأغنياء، بل يجعل أكثر ذنب ألا تنفق على عيالك "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول"، وهذا نبي الله سليمان عليه السلام يطلب ملكًا لم يؤته أحد من بعده "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ".

ثقافة الكفاح عرفناها في القرآن بمعنى السعي، ومادة سعى وردت في القرآن الكريم 30مرة في ثلاثين آية، معظمها يرتبط بالإنسان ونشاطه في الحياة بالمعنى الاقتصادي في طلب الرزق والبحث عن مصادر الدخل، وأغلب هذه الآيات تربط السعي بالرزق ربطًا يجعلك تطمئن تمامًا أن رزقك مضمون بأمر رب العالمين ومالك الكون.. "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى"، والآية تربط الرزق بالسعي "ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى".

السعي على الرزق 


يلاحظ أيضًا أن بعض آيات السعي تأتي بعد عبادة من العبادات كما في آية الجمعة "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، وذلك حتى لانكتفي بالعبادة وحدها ونخلد للراحة حتى لو كان يوم الجمعة، فجاء السعي للصلاة واستكمل السعي بكلمات مرادفة للسعي "فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ"، أي أن السعي للصلاة ومعه السعي للعمل.


"فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"، المشي أقل درجة من السعي لكنك عندما تضيف كلمة في مناكبها، أي من أقصاها لأقصاها، فهو بذلك في درجة السعي وأكثر، لأن المنكب في اللغة هو الكتف، ولك بذلك أن تتخيل أن القرآن يطلب منك أن تأخذ الدنيا من أكتافها.. إنها عمليه تشبه لمس الأكتاف في المصارعة، وعندها فالرزق مضمون تمامًا "وَكُلُوا مِن رِّزْقِه".

قانون الإرادة والإتيان 

هناك قانون يسمى قانون الإرادة والإتيان، وهو أنك ستأخذ بقدر ماتريد وليس بقدر ما تتمنى، الإرادة تحول الأمنيات إلى واقع ملموس.. لن تحصل على شيء على قدر ماتملك من إمكانيات فقط ولكن على قدر ماتملك من إرادة.


جميع قصص الناجحين مثل هنري نستله وجيوفاني كازيللي مخترع الفاكس وغاندي ومانديلا وغيرهم الكثير.. كانت المعادلة لديهم معادلة إرادة وليس إمكانيات وعلاقات فقط.. كانت لديهم عشرات الأسباب للتوقف ولكنهم جعلوها أسباب للاستمرار وذلك بتحقيق معادلة الإرادة .

لماذا هاجر النبي إلى المدينة بالذات؟.. لأنها مجتمع منتج.. مجتمع زراعي منتج.. والنبي كان يبحث عن مجتمع منتج وليس يعيش على الموارد التي عنده دون جهد أو عمل، مع ذلك لم يحول اسمها وهو نبي الإسلام إلى اسم ديني مثل "المحمدية أو الإسلامية" ولم يرفع يافطة دينية.. لكنه حولها إلى اسم مدني.. المدينة من المدنية أي العمل والإنتاج والانطلاق نحو الحضارة.

العمل في القرآن

وردت كلمة العمل في القرآن الكريم (371) موضع بأكثر من صفة، فمثلا جاءت لفظة (عَمِلَ) 19 مرة. وجاءت لفظة (عملوا) 73 مرة. وجاءت لفظة (تعملون) 83 مرة، وجاءت لفظة (يعملون) 56 مرة. وجاءت لفظة (أعمالهم) 27 مرة . هذا غير يصنع – اصنع – يصنعون. 


في حين إن الإشارات إلى الصلاة ومشتقاتها في القرآن الكريم  تقارب المائة، وفي أغلبها ذكرت الصلاة مقرونة بالزكاة، وهذا لايقلل من قيمة الصلاة ولكن يؤكد مدى ارتكاز هذا الدين على قضية العمل وأثرها في تفعيل دور الدين في الحياة. 

اضافة تعليق