"هذا ما جناه أبي علي".. كيف يتفادى الآباء السقوط في فخ العقوق؟

الأحد، 12 أغسطس 2018 10:34 ص
عقوق

يظن البعض خطأ، أن العقوق قاصر على الأبناء ناحية الوالدين، لأن العقوق قد يكون من الآباء أنفسهم ناحية أبنائهم، وهو ما يقع فيه الكثيرون، بقصد ربما، أو بدون، لكنه في النهاية يندرج في سياق عقوق الآباء للأبناء.

البداية بإحسان التسمية، من خلال اختيار الأسماء الحسنة لهم، والابتعاد عن الأسماء القبيحة، أو التي قد تجعلهم في موضع سخرية من غيرهم.

روى الإمام أحمد مِن حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّكُم تُدْعَون يَوْم الْقِيَامَة بأسمائكم وَأَسْمَاء آبائكم، فَأحْسِنُوا أسماءكم".

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يرشدنا إلى إحسان التسمية، ويأمرنا بأن نختار من الأسماء أفضلها، وأن نبتعد تمامًا عما فيه تحقير أو إهانة؛ مثل: (حمار)، و(خروف)، و(بقرة).

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه عقوق ابنه، فلما أحضر الولد ونهاه عن سوء فعله، وأمره بأن يتوقف عن ذلك، قال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه و يحسن اسمه ويعلّمه الكتاب أي "القرآن". 

قال الولد: يا أمير المؤمنين إنّ أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فإنها زنجيّة كانت لمجوس، وقد سمّاني جُعْلاً (أي "خنفساء") ولم يعلّمني من الكتاب حرفًا واحدًا، فالتفت عمر رضي الله عنه إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك. 

وليس هناك ما هو أدل على وجوب رعاية الأبناء وتربيتهم ومباشرة احتياجاتهم والاعتناء بهم، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها".

وهي مسئولية عظيمة، ليست بالهينة كما قد يعتقد البعض، والأمر لا يقتصر فقط على الطعام والشراب والملبس والمسكن، لأنه كلما نشأ الطفل في بيئة صالحة، وتربى على القيم والأخلاق، فإنه يقدم للمجتمع نبتة صالحة، والعكس صحيح، إن خرج الابن أو الابنة من بيئة غير صالحة، فإنما يقدم للمجتمع عنصرًا فاسدًا، يضر به، ويهدده.

الإمام ابن القيم رحمه الله يقول: "فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوها صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا".

ومن المخاطر التي قد يقع فيها الآباء، هو التمييز بين ابن وآخر، وهو ما يزرع الحقد في نفوسهم، وينشئهم في بيئة غير عادلة، تجعلهم ناقمين على أوضاعهم، غير راضين عن التفرقة والمعاملة التمييزية لأحدهم على حساب الآخر. 

والتعامل بغلظة وشدة مع الأبناء طوال الوقت هو سلوك خاطئ، لأنه يقوم على العنف والزجر، وقد ينشأ عن ذلك شخصية عدوانية، عنيفة، تتسم بالغلظة والجفاء، لما لاقته من سوء تعامل في الصغر.

وهو ما يجعل من الضروري التغافل عن كثير من أخطاء الأبناء، ليس قبولاً بها، ولكن لأن التركيز والتدقيق طيلة الوقت قد يأتي بردة فعل عكسية، فحين تنهر، أو تعاقب ابنك على كل خطأ يرتكبه، قد يحوله إلى شخصية عنيدة، تزداد إصرارًا على ارتكاب الأخطاء، وتفعل ذلك عن عمد.

الإمام الغزالي رحمه الله يقول في كتاب "إحياء علوم الدين": "ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة، ولم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها، والأخلاق الجميلة تكون باعتياد الأفعال الجميلة، وبمشاهدة أرباب الأفعال الجميلة ومصاحبتهم، وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح, إذ الطبع يسرق من الطبع، والشر والخير سواء في ذلك، والأصل في تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء، وكل مولود يولد معتدلًا صحيح الفطرة، وإنما بالاعتياد والتربية تتهذب أخلاقه، وكلما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس, فإن خالف ذلك مرة فينبغي أن يتغافل عنه، فإن عاد ثانيًا فيعاتب سرَّا ولا يكثر عليه العتاب في كل حين؛ فإن ذلك يهوِّن عليه الملامة ويسقط وقع الكلام من قلبه، ويحسن أن يظل للأب عنده هيبة من أن يوبخه والأم تخوفه بالأب".

يقول العلامة الراحل، الشيخ محمد متولي الشعراوي، إن "كثيرًا من الآباء والأمهات يشكُون من عقوق الأبناء أو من سلوك الأبناء، وينسى الآباء والأمهات أن فرصة التربية قد ضاعت منهم إما في زجر الأبناء في وقت لا يستدعي الأمر إلى زجر، أو في التقليل من شأن الأبناء في وقت يحتاج الابن فيه إلى من يعتني به ويرعاه. ومضت السنوات والأبُ غافل عن ابنه، إما بالتجاهل لحياة ابنه وما يَلزَمها في كل مرحلة، أو بالغرق في نمط من الحياة بعيدًا عن ضرورة رعاية الأبناء.

والأم كذلك لاهية عن الابنة في أمور أنستها مهمتَها الأساسية في الحياة، فلا تأخذ الابنة من أمها حنانًا وقت الاحتياج إلى الحنان، ولا تَلقَى الابنة حزمًا وقتما تحتاج إلى حزم، ولا تنال الابنة حق الصداقة والفهم وقت أن احتاجت البنت إلى صداقة الأم، فسادَ التنافرُ جوَّ الأسرة باسم الحياة المعاصرة.

والعجيب أننا لو تأملنا المجتمعات التي يقال عنها "معاصرة" لوجدنا علماء تلك المجتمعات يعودون إلى منهج الإسلام ليأخذوا منه قواعد التربية الصحيحة للأبناء ـ كما قلنا ـ لا كدين من عندنا يجب عليهم اتباعُه ، ولكن كناحية اجتماعية تضمن لهم سلامة حياتهم الاجتماعية.

فمنها الحنان والاحترام والمودة بين الزوجين فينشأ الطفل متمتعًا بالوجدان الصافي لتلقّي مسئوليات الحياة، ومنها الحزم، واحترام ذاتية الطفل، وتعليمه منهج الدين من السابعة إلى الرابعة عشر؛ ليعرف أن المؤمن هو الإنسان الذي يتقن عمله حتى تصلح حياته بهذا العمل، وأن يُعطَى من الجهد والتعليم ما يجعله متدربًا على تحمل المسئولية ومعرفة فنّ الحياة وَفْقَ منهج الله تعالى.

ومنها صداقة وفهم في ضوء الإيمان، ليكون الشاب متقبلًا للحياة المؤمنة مخلصًا في أداء عمله واعيًا بمسئولياته، فيقوم المجتمع على أفراد منسجمين بالإيمان مع أنفسهم ومع الكون الذي خلقه الله.

وإذا كان الحق سبحانه أوصى الآباء بالأبناء فيجب أن نلتفت إلى أنه سبحانه أوصى الأبناء بالآباء، وكأن ما يزرعه الأب والأم في صغيرهما ينفعهما في كبرهما.

قال تعالى: "وقضَى ربُّك ألّا تَعبدوا إلّا إياه وبالوالدَين إحسانًا. إمَّا يَبلُغنَّ عندك الكبَرَ أحدُهما أو كلاهما فلا تقُلْ لهما أُفٍّ ولا تَنهَرْهما وقل لهما قولًا كريمًا. واخفِضْ لهما جَناحَ الذّلّ من الرحمةِ وقل ربِّ ارحمهما كما ربَّياني صغيرًا"، حتى لا يوجد إنسان في المجتمع وهو لا يتحمل مسئولية من أحسنوا تربيته ومسئوليةَ الأبناء الذين تقع عليهم مسئولية حسن تربيتهم، وذلك حتى يتحقق للمجتمع الراحة والأمان والانسجام.

اضافة تعليق