عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر:

مشركو مكة يردون على المشككين في القرآن

الأربعاء، 08 أغسطس 2018 11:30 ص
محمود مهنا

الدكتور محمود مهنا: 
حجج المستشرقين للتشكيك في القرأن لا تستند لمنطق
*جهل المستشرقين بخصوصية النص الإسلامي وراء الحملة ضد ثوابتنا 
*القول بتاريخية النص القرآني يقودنا لفراغ في المرجعية الدينية 
*البون الشاسع  بين القرآن الكريم والسنة النبوية يرد على القائلين بكونه من خيال النبي
*إذا كان القرآن من تأليف  الرسول فلماذا تأخرت آيات حادث الإفك شهرًا كاملاً؟
*آيات العتاب للنبي في غزوة"تبوك" وسورة "عبس" ترد على المزاعم بأن القرآن ليس من عند الله
*ميرات المرآة وشهادتها  يفند شبهات المستشرقين بأن القرآن نص تاريخي تفتقد أحكامه الديمومة 
**أحكام القرآن الكريم فى العبادات المعاملات.. والقيم والأخلاق ـ صالحة لكل زمان ومكان
*تدوين القرآن وترتيب سوره حدث في العهد النبوي.. وهذه أسباب عدم جمعه في حياة النبي 

 
قال الدكتور محمود مهنا، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن عجز الغرب والمستشرقين عن مجاراة القرآن أو النيل من قدسيته وهيبته في قلوب معتنقيه هو ما دفعهم لترديد الأكاذيب حوله، والتشكيك في إعجازه تارة، عبر القول بأنه من خيال النبي، وأنه نص تاريخي مرتبط بفترة زمنية، بشكل يفقد أحكامه الديمومة، وهي كلها أراجيف غير منطقية تفتقد الدليل والحجية.

وعدد مهنا في حواره مع موقع www.amrkhaled.net، الأسباب التي حدت بالمستشرقين لتشويه القرآن الكريم، في مقدمتها عدم إدراك خصوصية النص الإسلامي، وتمايز الفكر والحضارة الإسلامية، والعداء الشديد للإسلام والقرآن، والرغبة في إزالة هيبتهما من نفوس المسلمين.

وأكد أن ما يثار من تشكيك في مسألة جمع القرأن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وترتيب آياته هي "اتهامات جوفاء لا تستند لمنطق ولا برهان وتنم عن جهل مطبق وحقد دفين على ديننا فقط".

وأعرب عن ثقته في فشل محاولات النيل من القرآن من قبل المستشرقين والحداثيين العرب، قائلاً: "القرآن سيظل كتاب الله المحفوظ بحفظه، وبوجود مؤسسات إسلامية، وفي مقدمتها الأزهر قادرة على الزود عنه"، موضحًا أن "الحملة على القرآن على الرغم من قدمها لم تحقق أهدافها ووقف كتاب الله حائط صد أمام جميع مؤامرات الغرب ضد الإسلام". 

 

وإلى نص الحوار:


**لم تتوقف أراجيف المستشرقين وتابعيهم من الحداثيين العرب عن إثارة الشبهات حول القرآن الكريم، ومنها أنه من تأليف الرسول صلى الله عليه وسلم وليس وحيًا من الله؟

**هذه حلقة في مسلسل الشبهات حول القرآن لا تستند لعقل أو منطق، ومن يقولون إن القرآن من تأليف محمد، وليس منزلاً من الله هم جهلة وآفاقون، وقد فضحهم مشركو مكة في السابق بالقول على لسان الوليد بن المغيرة، إنه ليس من كلام البشر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، بشكل لا يستطيع معه بشر مهما كان الإتيان به، ففيه سرد لحياة الأولين وتأكيد على مصائر الآخرين، وأتى بالجهاد والعلوم العسكرية والاقتصادية والطبية والميتاقزقية والتاريخية، بل أنه وضع حلولاً لعلم الأجنة وعلوم أمراض القلب، وكل ما يتعلق بالبشر من نزول الوحي إلى أن تقوم الساعة وقال الشعراء عنه 
دستورك الأسمى المنير المشرق
آياته نبع العلوم جميعها
من قال لا فهو الغبي الأخرق
علم الطبيعة والحياة 
وحكمة التبيان من آياته تتجدد
فهو الدواء لكل أدواء الورى
وهو الطبيب لكل سقم صدق
فالغرب لما سار سار بنوره وعلا
وقبل الغرب سار المشرق
يا قوم أحمد مجدكم قرآنكم
فهو الكتاب العالمي الأصدق

ومن ثم فليس هناك باب ولا مسألة، إلا ولها أصل فيه، ومنها عجائب المخلوقات، وملكوت السماوات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وما تحت الثرى.. إلى غير ذلك مما يحتاج شرحه لمجلدات.

*يؤكد المستشرقون دومًا أنهم لا يعبأون بالحجج الدفاعية التي يسوقها علماء الإسلام لتفنيد شبهاتهم ضد الدين، بل يحتاجون لأسانيد عقلية تقنعهم بعيدًا عن الغيبيات؟

 **سنسوق أدلة عقلية ونقلية؛ فإذا كان القرآن من تأليف محمد، فلماذا جاءت الأحاديث الشريفة والسنة النبوية أضعف من القرآن بلاغة وفصاحة،  ولكان الأولى بالنبي ألا ينسب لنفسه حديثًا، وأن يجعل كل كلامه قرآنًا فالتمايز بين القرآن، والحديث النبوي على درجة من الشدة والوضوح، بحيث لا يخفى على أحد؛ فالقرآن في أسلوبه ونمطه وبيانه وتناسقه وخصائصه الأخرى تجعله فريدًا في نوعه، مميزًا عن كلام البشر، حيث جاء معجزًا، متحديًا به، لم يستطع أحد أن يضاهيه، أو يأتي بحرفه مثله، بل حفظ الله له مكنه من مواجهة حملات عاتية؛ أبرزها الاحتياح المغولي لبغداد، وتمزيق مكتبتها التاريخية، مصداقًا لقوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" الحجر 9.

*غير أن حجية القرآن الكريم لم توقف حملات المستشرقين ضد الإسلام من جهة حديثهم، أن الرسول تعامل مع القرآن بتريث وأناة، لذا جاء محكمًا ومعجزًا، وهو ما افتقده الحديث النبوي وفق قولهم؟ 

** الحديث النبوي مهما كانت قوته وبيانه، تناولته ألسنة النقد والمعارضة والتقليد، والتحريف، فهو لم يأت معجزًا حاسمًا، بل طالته شواهد التحريف والظنون، فكان منه حديث صحيح وحسن وضعيف، وصولاً للموضوع، فيما عجز ألد أعداء الإسلام عن ادعاء ذلك في القرآن.

وأما الادعاء بأن لكلام سيدنا محمد ضربين: الأول، هو أن القرآن جاء به على انتظار وتمهل، وترتيب، وتحضير، فأكسبه مزيدًا من التهذيب والتنميق، والتحبير، فيما جاء الحديث النبوي دون تريث أو تفكير أو تمهل كما يزعمون، محررًا من كل تنميق، أو تخبير. 

ويرد عليهم: بأن هذا الادعاء يفقد كل أساس مسوغ لصحته، فالقرآن الكريم نزل معظمه مفاجأة، وعلى غير انتظار وأناة، لذا جاء معجزًا في لغته، وأسلوبه، وإعجازه. 

*هل كان إعجاز القرآن وفشل الغرب ومستشرقيه في مجاراته هو الدافع لشن هذه الحملات ضده؟


**جاء القرآن معجزًا بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه.. معجز بالنظر لنظمه وبلاغته وإخباره بالغيب وموافقته لقضية العقل ودقيق المعنى وقد تستتر كلها في آية، وقد يستتر البعض كالإخبار عن الغيب، فالقرآن الكريم شمس العلوم، وكنز الحكم، ومن ثم فإن مزاعم الغرب بأن القرآن ما هو إلا ثمار خيال النبي لهو محض افتراء فرضهم عليهم يأسهم، وعدم قدرتهم على مجاراة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد، وعندما فشلوا في زعزعة إيمان المسلمين برسالة محمد وبالقرآن الكريم عمدوا لترديد هذه الترهات التي تفتقد لأي أساس أو منطق.

*إذا كان القرآن الكريم من خيال سيدنا محمد، فلماذا لم ينسبه رسولنا الكريم لنفسه وهو أعلى مقامًا في كل الأحوال من السنة النبوية؟


**القرآن الكريم لو كان من خيال الرسول، لكان الأولى نسبه إليه صلي الله عليه وسلم، وكان ذلك مفتاحًا لادعاء الألوهية، وتجاوزًا لمرحلة النبوة  واكتساب ثقة الناس، وعلو قداسته، ولو كان القرآن من تأليفه لكان الأولى ألا يفرق بينه وبين الحديث، ولا ينتظر أن ينسبه غيره إليه، ولكن "كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا" الكهف 5.

*هل كان العرب الذين أعجزهم القرآن وهم أرباب الفصاحة أن يدعوا تأليف الرسول للقرآن يمر مرور الكرام دون تشكيك أو إثارة الجدل على الأقل؟


** لو كان القرآن الكريم من وحي خيال النبي لاستطاع أرباب الفصاحة والبيان من العرب اكتشاف ذلك بسهولة وتوظيف هذا الكشف للكيد في الرسول والتشكيك في رسالته، بل وفتح الباب أمامهم للرد بقرآن مماثل، ولكن لأنه لما كان من عند الله، فقد أعجزهم وأحبطهم بل أن القرآن رفع راية التحدي في مواجهتهم بالقول: " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" يونس آية 38.

والتساؤل هنا: لماذا لم يستطع العرب وهم أهل الصنعة والبيان مجاراة كتاب الله، والجواب هنا أنه أعجزهم وأخرس ألسنتهم وفند ادعاءاتهم مصداقًا لقوله " قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ" الذرايات 10.

*هناك وقائع عدة، منها الشخصي الخاص بالرسول تدحض مزاعمهم بكون القرآن من خيال نبينا ومنها واقعة الإفك؟


**بالفعل لو كانت القرآن من تأليف نبينا، لكن الرسول قد أسرع بإنزال الآية التي تبرأ السيدة عائشة رضي الله عنها من واقعة الإفك، ولكن الوحي تأخر لمدة 30يومًا، حتى حزن النبي  في ظل توظيف المنافقين لهذا الأمر للنيل من شرف زوجته السيدة عائشة رضوان الله عليها، فلو كان القرآن من تأليفه فما الذي يمنعه من الرد السريع الحاسم على من لاكوا شرف زوجته –زورًا وبهتانًا - ثم دعني أتساءل هل يليق بالنبي أن يتقول على الله، ـ وحاشا لله أن يفعل ـ خصوصًا أن عقاب الله على هذا التقول إن حدث سيكون شديدًا قاسيًا مصداقًا لقوله: " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ". الحاقة 44 - 47ـ

*فضلاً عن واقعة الإفك التي تكذب زيف ادعاءات المستشرقين، هل هناك وقائع أخرى تسير في نفس الإطار؟

 ** آيات القرآن شهدت عتابًا من الله لرسولنا الكريم خصوصًا على قبوله أعذار المنافقين بالتخلف عن المشاركة في غزوة تبوك " عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ" التوبة 43، وماتلاها من قوله تعالى: " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ سورة الأنفال 67، "عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى" عبس 1 – 10.

*في هذا السياق يردد المستشرقون أن القرآن مجرد نص تاريخي لا تتسم أحكامه بالديمومة بل تصلح لفترة زمنية دون غيرها؟


**هذه الفرية أيضًا ليس لها محل من الإعراب، فإاذا كان القرآن نصًا تاريخيًا كما يزعمون، فلما يتبعه ما يقرب من 2مليار مسلم ويصل من يحفظه عن ظهر قلب لمرتبة متقدمة في سلم الإيمان، بل أن عظمة القرآن الكريم ومرجعيته تعود لقناعة معظم أتباعه بأن حفظ آية منه تحط ذنبًا كبيرًا، ولا ننسى عندما كنا صغارًا نحفظ القرآن في الكتاتيب ونتعلم أحكامه وتفسيره في كليات جامعة الازهر، أنه ليس للعظة ولا الاعتبار فقط، بل نرى أحكامه ذات ديمومه تاريخية، فهو من يفضح استبداد الحكام وينذرهم بالعواقب الوخيمة حين تحدث عن فرعون وسوء مصيره بالقول "فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى" النازعات 25. 

فالقرآن هو كتاب الشريعة الخاتمة، ولو طبقنا القول بتاريخية نصوصه، لحدث فراغ في المرجعية الدينية، لاسيما أن القرآن ساعتها وكما يقول المرجفون سيكون قابلاً للتطور بشكل يزيل حجة الله في الثواب والعقاب على ما اقترفوه، خصوصًا أن الواقع وتطوراته ستفوق نسخة القرآن غير المطورة وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. 

* ربط المستشرقون وتابعوهم بين الحديث عن تاريخية النص القرآني وعدم ديمومة أحكامه بقضية ميراث المرأة، وكونها ترث نصف ما يرث الرجل؟ 


**القرآن ليس كما يدعون، فلم يظلم المرأة في الميراث، ولم يجعل ميراثها نصف ما يرث الرجل، حتى يكون حكمه صالحًا للزمان الماضى دون الزمان المعاصر والمستقبل، بل جعل ذلك فى حالة بعينها هى حالة الأولاد وليس على الإطلاق، وكل الوارثين: " يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ" النساء 11. 

بل إن القرآن استخدم لفظ "نصيب" في حالة ميراث الذكور والإناث على حد سواء: "لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا"، بل إن الاختلاف في أنصبه الميراث لا علاقة لها مطلقًا بالجنس، بل بدرجة القرابة من المتوفى وتسلسل الجيل، وتفاوت أنصبه الميراث بحسب الأعباء المالية، وهذه حقائق يجهلها المستشرقون ومن سار على دربهم بحيث لم يرقبوا تفوق المرأة على الرجل في الميراث في حالات بعينها، والمساواة بينهما في حالات أخرى، بل إن هناك حالات ترث فيها المرأة ويحرم الرجل .


لماذا أصر المستشرقون اذن علي التعامل مع القرآن كأنه نص تاريخي ذات أحكام وقتية؟


* لو أدرك الداعون لتاريخية آيات الأحكام في القرآن، حقيقة هذه الأحكام التى توهموا الحاجة لتجاوزها ـ فقالوا بتاريخية ووقتية معاني نصوصها القرآنية ـ لتبين لهم أن وقوف النص القرآني عند كليات وفلسفات وقواعد ونظريات التشريع، مع ترك تفصيلات التشريع لاجتهادات الفقهاء لعل هذا الأمر ما جعل أحكام القرآن الكريم فى المعاملات ـ فضلاً عن العبادات.. والقيم والأخلاق ـ صالحة لكل زمان ومكان - ، فكانت شريعته آخر وخاتم الشرائع السماوية، دون الحاجة لهذه  "التاريخية" المنقولة عن المستشرقين  دونما إدراك لخصوصية النص الإسلامى، وتمايز الفقه والحضارة الإسلامية، ولو أنهم تبينوا حقيقة الأمثلة التى توهموها حول دواعي هذه التاريخية، مثل ميراث المرأة وشهادتها لتوقفوا فورًا عن ترديد مثل هذه الترهات.

*تفنيد علماء الإسلام للشبهات التي أثارها المستشرقون حول القرآن لم توقف حملتهم، بل دفعتهم للبحث عن شبهات جديدة، منها عدم جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟


**القرآن مدون منذ عهد النبي بترتيب نزول الآيات ومناسبة نزولها، وكان كتاب الوحي رضي الله عنهم يقومون بتدوينه بناءً على توجيهات من الرسول صلى الله عليهم وعلى ترتيب النبي ونهجه في التدوين، وعلى ذلك سار سيدنا أبو بكر، وعلى نفس المنوال خط سيدنا عثمان مصحفه الشهير، وكذلك كان التدوين بالقراءآت السبع حسبما تلقاها الرسول من سيدنا جبريل، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى "لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ"، القيامة 16- 18، وهي آيات أغلقت الباب امام المستشرقين وأذنابهم للطعن في القرآن الكريم عبر هذه المزاعم المفتقدة للمنطق.

*لكن تساؤلاتهم على هذا الصعيد لم تنته، ومنها لماذا لم يدون القرآن كاملاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟

 

 ** عدم تدوين القرآن بشكل كامل في عهد الرسول يعود لوجود النسخ في حياة الرسول صلي الله عليه وسلم في بعض آيات القرآن الكريم، فلو دون الكتاب ثم جاء النسخ، لأدى ذلك للاختلاف والاختلاط في الدين، فحفظه  سبحانه في قلوب الصحابة إلى انقضاء زمان النسخ، ثم وَفَّق الصحابة بعد للقيام بجمعه، وأيضًا فإن الله سبحانه قد أمَّن رسوله من النسيان، بقوله: "سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى" "الأعلى:6.

وحين وقع الخوف من نسيان الصحابة وموت الحفاظ، بدأ التفكير الجدي في الجمع والتدوين، ناهيك عن انتفاء وجود ضراورات تفرض التدوين في حياة النبي، لاسيما أن القرآن لم يكن قد اكتمل بعد، فضلاً عن وجود عدد من الصحابة كان يحفظونه عن ظهر قلب، ولكن الأمور تغيرت بعد موت الحفاظ في حروب الردة، خصوصًا "معركة اليمامة"، واتساع رقعة الدولة، حيث بدأ سيدنا أبي بكر في جمع القرآن، وهو جمع لم يكن مختلفًا لما كان عليه الأمر في عهده النبي، وكل ما في الأمر أن أبا بكر نقله من الصدور والأماكن المتفرقة التي كتب عليها، ومن ثم جمعها في موضع واحد، مخافة ضياعها بموت الصحابة والحفاظ.

 *غير أن تاريخ جمع القرآن كما يزعم المستشرقون وغيرهم شهد خلافات بين الصحابة حول الجمع والتدوين؟


**عندما قرر الخليفة الراشد الأول جمع القرآن، حدثت بعض الاختلافات في وجهات النظر بين الصحابة حول آليات الجمع والتدوين، إلا أن الاختلاف انتهى لوفاق واتفاق في النهاية، واجتمعت كلمة الصحابة على ضرورة جمع القرآن في مصحف واحد، وليس في هذا ما يدعو للتشكيك في موقف الصحابة رضي الله عنهم من جمع القرآن، بل إن ما تم من جمع وتدوين وترتيب وسوره كان بتوقيف منه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للصحابة فيه دخل لا من قريب ولا من بعيد، إذ كان جبريل عليه السلام ينـزل عليه بالوحي، ويأمره بوضع آية كذا في موضع كذا، وهذا مما لا خلاف فيه. 



*وماذا إذن عن ترتيب السور القرآنية، حيث شهدت مسألة الترتيب جدلاً كذلك بين أهل العلم؟

**أما ترتيب سور القرآن، فالذي استقر عليه رأي أهل العلم المعتبرين أنه صلى الله عليه وسلم فوَّض ذلك لصحابته من بعده، ولما كان الصحابة رضي الله عنهم قد أَلْفَوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم وقت حياته، فدوَّنوه على وفق ذلك السماع، دون خلاف بينهم، واستقر الأمر على ذلك؛ فيما ذهب نفر من العلماء  إلى أن ترتيب السور أيضًا كان بتوقيف منه صلى الله عليه وسلم دون أي تدخل من الصحابة رضوان الله عليهم 
 
* بم تفسر الحملات التي انطلقت للتشكيك في القرآن ولم تتوقف حتى الآن؟

*الحملة على القرآن قديمة، وتكشف محاضر مجلس العموم البريطاني في القرآن قبل الماضي عن مداخلة لرئيس الوزراء البريطاني السير جلادستون، والذي كان يتحدث عن استهداف الإسلام والعمل على استئصال شأفته، محددًا ثلاث خطوات يجب البدء بها بشكل سريع لتفريغ الدين الحنيف من مضمونه، ومنها القرآن الكريم، والكعبة الشريفة، وصلاة الجمعة.

وكان يستمع للسير كل أعضاء مجلس العموم، فهب واحد منهم بشكل هيستري، وتناول نسخة من المصحف ومزقه بيديه فما كان من رئيس الوزراء البريطاني إلا أن نهره وبادره قائلاً: "يا أحمق لو استطتعت أن تمحي المسطور فكيف تمحو المحفوظ في القلوب، وأردف أريد ان أمحو القرآن من صدورهم".

وتكشف هذه الحملة، قدم الحملة على القرآن الكريم والمصحف الشريف وكيف عملوا طويلاً على التشكيك في القرآن تارة، وإهالة التراب عليه، عبر ترديد مزاعم وأراجيف تارة سعوا بقوة للنيل من هيبته من قلوب معتنقي الإسلام.

*مع استمرار حملات تشويه القرآن وبشكل مريب كيف ترى مصير هذه الحملات ؟
*الحملات على القرآن مصيرها الفشل وهو أمر يعود الفضل فيه إلى الله الذي قيض له الأزهر جامعًا وجامعة وشيخًا وعلماء للزود عنه، فهم لا يتركون فرصة للدفاع عنه، وتفنيد حجج وذرائع مهاجميه إلا وفعلوا، حيث نجحوا طوال قرون في رد كيد شآنيه إلى نحورهم وفضح عجزهم، وممن ساروا في نهج المستشرقين من الحداثيين الجدد الذين لم يفعلوا شيئًا سوى ترديد الترهات التي ساقها المستشرقون دون أن يستندوا لحجج منطقية ولكن إلى أراجيف تكشف زيفهم وتفضح جهلهم.

اضافة تعليق