نقل الأعضاء.. جدل لا ينتهي.. هكذا حسمه الأزهر والإفتاء

الخميس، 02 أغسطس 2018 01:10 م
resize

يتجدد الحديث حول نقل الأعضاء البشرية، بين الحين والآخر، في ظل مطالبة البعض بتقنين العملية، مع اشتداد الحاجة لذلك، سعيًا لإنقاذ الأرواح الكثيرين، بينما يميل غالبية العلماء إلى تحريم ذلك مستشهدين بالنصوص القرآنية والأحايث النبوية ورأي جموع فقهاء المسلمين.

وتشهد مصر موجة من الجدل خلفتها تصريحات الدكتور فتحي خضير، عميد كلية طب قصر العيني، بعد نزع قرنية متوفى، مدعيًا أن الأمر لا يمثل جرمًا أو إهانة للمتوفى، وهو ما فجر اعتراضات واسعة، وأحدث حالة من الغضب، نتيجة شرعنة الحصول على أعضاء المتوفي دون إذن أهله.

يأتي هذا فيما تقول تقارير دولية إن مصر تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في تجارة الأعضاء البشرية.

وتواجه هذه العملية باعتراض علماء الدين، باعتبار أن "جسد الإنسان أمانة لابد أن يصونه ويحافظ عليه".

ومن بين هؤلاء العلماء، العلامة الراحل، الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي أكد حرمة التبرع، مستندًا إلى أن أعضاء الإنسان أمانة في رقبته ولا يجوز له التبرع بها.



 
كما أن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، فى مؤتمره الثالث عشر فى 10-11 مارس 2009م واستجابة لدعوة من الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر وقتذاك، ناقش عملية نقل وزرع الأعضاء، وانتهى إلى إصدار بيان ختامى يؤكد حرمة الإنسان حيًا أو ميتًا، وحرمة الإعتداء على أعضائه وحرمة بيع الإنسان لأى جزء من جسده.
 
إلا أنه أفتى بأن "تبرع الإنسان البالغ العاقل المختار غير المكره بجزء من جسده جائز شرعًا بين الأقارب وغيرهم، ما دام التبرع يقول بنفعه الأطباء الثقات على أساس قاعدة الإيثار وبشروط منها: ألا يكون العضو المتبرع به أساسيًا لحياة صاحبه، إلا يكون حاملاً للصفات الوراثية ولا من العورات المغلظة، ألا توجد وسيلة أخرى تغنى عن نقل الأعضاء".
 
كما قرر أن الشخص يعتبر ميتًا بإحدى العلامتين: توقف القلب والتنفس توقفًا تامًا وحكم الأطباء أن هذا التوقف لا رجعة فيه، إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائيًا، وحكم الأطباء أن هذا التعطل لا رجعة فيه وأخذ دماغه فى التحلل.

وحددت دار الإفتاء المصرية، مجموعة من الضوابط والشروط للسماح بنقل الأعضاء على النجو التالي: 


ولًا: يرخص في نقل العضو البشري من الإنسان الحي إلى الإنسان الحي بالشروط والضوابط الآتية:


1- الضرورة القصوى للنقل بحيث تكون حالةُ المنقول إليه المرضيةُ في تدهورٍ صحيٍّ مستمر ولا ينقذه من هلاك مُحَقَّقٍ إلا نقل عضو سليم إليه من إنسان آخر بينهما درجة قرابة حتى الدرجة الثانية، ويجوز النقل حتى الدرجة الرابعة إذا حالت ضرورة دون النقل من الدرجات السابقة، ويُقَدِّرُ ذلك أهل الخبرة الطبية العدول، شريطةَ أن يكون المأخوذ منه وَافَقَ على ذلك حال كونه بالغًا عاقلًا مختارًا.

2- أن يكون هذا النقل محققًا لمصلحة مؤكدة للمنقول إليه من الوجهة الطبية، ويمنع عنه ضررًا مؤكدًا يحل به باستمرار العضو المصاب بالمريض دون تغيير، ولا توجد وسيلة أخرى لإنقاذه من الموت والهلاك الحال المحقق إلا بهذا الفعل.

3- ألا يؤدي نقلُ العضو إلى ضررٍ مُحَقَّقٍ بالمنقول منه يضر به كليًّا أو جزئيًّا أو يمنعه من مزاولة عمله الذي يباشره في الحياة ماديًّا أو معنويًّا أو يؤثر عليه سلبيًّا في الحال أو المآل بطريق مؤكَّد من الناحية الطبية؛ لأن مصلحة المنقول إليه ليست بأولى من الناحية الشرعية من مصلحة المنقول منه؛ لأن "الضَّرَرَ لا يُزَالُ بالضَّرَرِ"، و"لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ في الإسلام"، ويكفي في ذلك المصلحة الغالبة الراجحة، والضَّرَرُ القليل المُحْتَمَلُ عادةً وعرفًا وشرعًا لا يمنع هذا الجواز في الترخيص إذا تمَّ العلم به مسبقًا وأمكن تحمله أو الوقاية منه ماديًّا ومعنويًّا بالنسبة للمنقول منه، والذي يحدد ذلك هم أهل الخبرة الطبية العدول.

4- أن يكون هذا النقل دون أي مقابل ماديٍّ أو معنويٍّ مطلقًا بالمباشرة أو بالواسطة.

5- صدور إقرار كتابي من اللجنة الطبية قبل النقل بالعلم بهذه الضوابط، وإعطاؤه لذوي الشأن من الطرفين المنقول منه العضو والمنقول إليه قبل إجراء العملية الطبية، على أن تكون هذه اللجنة متخصصةً ولا تقل عن ثلاثة أطباء عدول، وليس لأحد منهم مصلحة في عملية النقل.

6- يشترط ألا يكون العضو المنقول مؤديًا إلى اختلاط الأنساب بأي حال من الأحوال.

ثانيًا: يرخص في نقل العضو البشري من الميت إلى الحيِّ بالشروط والضوابط الآتية:

1- أن يكون المنقول منه العضو قد تحقَّق موته موتًا شرعيًّا وذلك بالمفارقة التامة للحياة أي موتًا كليًّا، وهو الذي تتوقف جميع أجهزة الجسم فيه عن العمل توقفًا تامًّا تستحيل معه العودة للحياة مرةً أخرى بشهادة ثلاثةٍ من أهل الخبرة العدول الذين يُخَوَّلُ إليهم التعرف على حدوث الموت بحيث يسمح بدفنه، وتكون مكتوبةً وموقعةً منهم، ولا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يعرف بموت جذع المخ أو الدماغ؛ لأنه لا يُعَدُّ موتًا شرعًا، لبقاء بعض أجهزة الجسم حيةً؛ وذلك لاختلاف أهل الاختصاص الطبي في اعتباره موتًا حقيقيًّا كاملًا؛ لأنَّ اليقين لا يزول بالشك.

فإذا لم يمكن من قبيل الصناعة الطبية نقل العضو المراد نقله من الشخص بعد تحقق موته، ويمكن نقل العضو بعد موت جذع الدماغ، فإنه يَحْرُمُ ذلك النقل ويكون ذلك بمثابة قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.


2- الضرورة القصوى للنقل بحيث تكون حالة المنقول إليه المرضية في تدهورٍ مستمرٍّ ولا يُنقِذُهُ من وجهة النظر الطبية إلا نقل عضو سليم من إنسان آخر حيٍّ أو ميتٍ، ويكون مُحَقِّقًا للمنقول إليه مصلحةً ضروريةً لا بديل عنها.

3- أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل في حياته وهو بكامل قُوَاهُ العقلية ودون إكراه ماديٍّ أو معنويٍّ، وعالمًا بأنه يوصي بعضو معين من جسده إلى إنسان آخر بعد مماته، وبحيث لا يؤدي النقل إلى امتهان لكرامة الآدمي؛ بمعنى أنه لا تتضمن الوصية نقل كثير من الأعضاء تجعل جسد الآدمي خاويًا؛ لأن هذا ينافي التكريم الوارد في قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

4- ألَّا يكون العضو المنقول من الميت إلى الحي مؤديًا إلى اختلاط الأنساب بأي حال من الأحوال كالأعضاء التناسلية وغيرها، وذلك كما هو الحال في نقل العضو من حيٍّ إلى حيٍّ تمامًا.

5- أن يكون النقل بمركز طبي متخصص مُعْتَمَدٍ من الدولة ومرخَّصٍ له بذلك مباشرةً دون أي مقابل ماديٍّ بين أطراف النقل، ويستوي في ذلك الغني والفقير، وبحيث توضع الضوابط التي تساوي بينهما في أداء الخدمة الطبية، ولا يتقدم أحدهما على الآخر إلا بمقتضى الضرورة الطبية فقط التي يترتب عليها الإنقاذ من الضرر المحقق أو الموت والهلاك الحال.


ويقول الدكتور نصر فريد واصل، مفتى الجمهورية الأسبق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، إن هذا الأمر جائز شرعا بشرط أن يكون ضمن الضوابط الشرعية التى اتفق عليها العلماء، ومنها أن يكون بعد الموت الحقيقى بإقرار الإطباء ذلك، وطبقا لما وصل إليه مجمع البحوث الإسلامية بأن يكون التبرع للأقرباء حتى الدرجة الرابعة حتى لا يتحول إلى تجارة.

ويضيف: "هذا الأمر نوقش بين العلماء وتم التوصل إلى أنه يجوز التبرع بالأعضاء وفق الضوابط الشرعية التى حددها العلماء وفقا للشريعة".

وقال الدكتور عادل المراغي الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية، في تصريحات صحفية، إن "جمهور الفقهاء أجمعوا بعدم جواز بيع الإنسان لأي عضو من أعضائه"، مشيرًا إلى أن "جسد الإنسان ملك لله عز وجل، وأمانة لابد أن يحافظ الإنسان عليها ويصونها".

 وأوضح أن "تبرع الإنسان بإعضائه البشرية لغيره، أمر اختلف بشأنه الكثير من الفقهاء وعلماء الدين، فالبعض منهم أجازه إذا كان هذا التبرع سيؤدي إلى إحياء نفس بشرية أخرى، أما نقل أعضاء الموتى للإحياء، فالشريعة الإسلامية كرمت جسد الإنسان في حياته وحتى بعد مماته".

واستدرك: "ولكن يجوز في حالة إذا أوصى المتوفى بنقل أحد أعضائه للغير، وإذا رأى الطبيب المختص، بأن عضوًا من جسده سوف يساعد في إحياء غيره ويبعث فيه الروح، وفي حال عدم وجود وصية فيترك الأمر للسلطات المختصة لتحدد الأمر". 

في السياق ذاته، أكد عبد الحليم محمد وكيل كلية الشريعة والقانون: "أن تجارة الأعضاء البشرية حرام شرعًا، والإنسان لا يملك التصرف في بعض أعضائه بعد وفاته، فإن الذي لا يملكه الإنسان، هو روحه، ونفسه، أما من حيث أجزائه المادية، فهو يمتلكها، وله أن يتصرف فيها بما لا يضره ضررًا لا يحتمل.

وأشار إلى أن نقل الأعضاء من الميت إلى الحي، غير مأذون به، بل جائز في حال الضرورة، أو الحاجة التي تنزل منزلتها، لعموم الآيات التي تدل على جواز ارتكاب المحظور حال الاضطرار، فلا يجوز التبرع والإيثار به، لافتا إلى أنه لا يصح أن يوصي الإنسان أن يتبرع بجسده، ولا بجزء منه بعد وفاته.

اضافة تعليق