الوقف في الإسلام.. دولة العلم والتخطيط لحماية البشر والحجر

الأربعاء، 01 أغسطس 2018 03:06 م
الوقف في الإسلام

يعد الوقف الإسلامي، من النماذج الحضارية القديمة التي ساهمت في بناء الدول، وتكوين عقلها، والتخطيط لمستقبلها، وهو أول تدخل حقيقي من جانب السلطة لخلال وضع رؤية استراتيجية لبناء الإنسان المسلم، ووضع مخططات استراتيجية طويلة الأمد للتغلب على الأزمات.


والوقف في الإسلام، هو حبس الممتلكات ومنع امتلاكها لأي جهة بغرض الاستفادة منها وتوزيعها للمحتاجين من عامة الناس، والتصرّف فيها بشكل جيد.

وهذا الوقف له مجالات متعدّدة، كالعقارات والمزارع وغيرها، وأحيانًا يكون الوقف غير ثابت، وربما يكون متنقلاً كالأسلحة والآلات، وعند نقل الطعام والمعونات هنا لا يصبح وقفًا بل يصبح صدقة، لأن الصدقة تنتهي مع إنتهاء استخدامها والوقف يبقى إلى أجل بعيد.

 الفائدة من الوقف

-التقرّب إلى الله

ففي الوقف التقرب إلى الله عز وجل وامتثال لأمره .

-صدقة جارية
 فعندما يبني شخص مسجدًا لوجه الله تعالى فهي صدقة تبقى حتّى بعد أن يموت الإنسان .

 -الألفة بين الناس
فعندما يتصدق الغني على الفقير، يموت الحقد فيما بين الناس، ويولّد روح الإحساس والشعور بالآخرين .

- تحقيق أهداف اجتماعية
 فعندما يكون هناك وقف للأقرباء والذريات يصبح هناك ألفة فيما بينهم وتواصل اجتماعي لما فيه من خير للجميع .

-روح الخير
 عندما يكون جميع الناس يتصدّقون ويساعدون بعضهم البعض يولّد بشكل تلقائي روح المساعدة والمحبة بين الناس .

أدلة الوقف من القران والسنة

الوقف من العبادات التي شرعها الله تعالى وحث عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم-وسارع إلى العمل بها والضرب في شتى ميادينها، ودليله من الكتاب قوله تعالى : "َمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ"، وقوله تعالى: "لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ"، ولما سمعها أبو طلحة رضي الله عنه قال: يا رسول الله إن الله يقول: "لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ"، وإن أحب أموالي إلي "بيرحاء"، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله، فقال: بخ ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين.


 وقال سبحانه وتعالى "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" [يس: 12]

ومن السنة ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ: إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا نَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ.(أخرجه ابن ماجه).

عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به، قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع.

وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قـدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: " من يشتري بئر رومة فيجعل منها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي رواه البخاري ومن الأدلة العملية ما رواه عمرو بن الحارث قال: ما ترك رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته درهما، ولا دينارا، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة.

تاريخ الوقف

ونظام الوقف باعتباره نظامًا خيريًا ضارب في القدم بصور شتى، إلا أنه من المؤكـد أن نظام الوقف في الإسلام بشكله الحالي.
مجالات الوقف


حفظ الدين وبيضته:

وذلك عن طريق الإسهام في جميع الأوقاف التي تخدم الجانب الدينيّ، كوقف السلاح والمصاحف والكتب، والمساجد والدور والزوايا والأربطة ودور العلم والمدارس والمكتبات، وأوقاف الحرمين والهيئات الدعوية والمرافق التابعة لكل ذلك، واستثمارُ الأوقاف المخصصة لها، وجعل غلتها في مصلحتها كما بينا وسيتبين.


الوقف على المساجد:

ولقد ساهم أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم- في الوقف على المساجد والجهاد في سبيل الله ونذكر لكم عدة أمثلة.


عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ كَانَ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ثَامِنُونِي بِهِ يَا بَنِي النَّجَّارِ، قَالُوا: لا نَبْتَغِي بِهِ ثَمَنًا إِلا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَطَعَ النَّخْلَ، وَسَوَّى الْحَرْثَ، وَنَبَشَ قُبُورَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ: اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ) (أخرجه البخاري)

 الوقف على الجهاد في سيبل الله:

عن عمر، قال: كانت أموالُ بني النضيرِ مِمَّا أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِفِ المسلمون عليه بخَيلٍ ولا رِكَابٍ، كانت لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - خالصاً، يُنفِقُ على أهل بيتِه -قال ابن عَبْدةَ: يُنفِق على أهلِه- قُوتَ سنةٍ، فما بقي جُعِلَ في الكُراعِ وعدَّةً في سبيل الله.

حفظ العرض والنسل:

ومن مجالات الوقف: الوقف لحفظ العرض والنسل ويُعد الوقف من أبرز الوسائل المعينة على ذلك، عن طريق الأوقاف المختصة بتجهيز المتزوجات وتزويج المسلمين، وتزويدهم بما يحتاجونه من أثاث ومتاع وماعون ونحوها.
الوقف على الفقراء والمساكين:

 الوقف التعليمي

وذلك عملاً بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ: إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا نَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ.(أخرجه ابن ماجه))

الرعاية الصحية:

فقد كان الوقف الصحي من أهم الأمور التي اهتم بها المسلمون فأسسوا المستشفيات ودور الرعاية الصحية وأوقفوها على المسلمين.

لذا نجد أن أول مستشفى بعد بعثة خير الخلائق محمد صلى الله عليه وسلم كان وقفًا أسس في عهد الوليد بن عبد الملك، وخصص هذا المستشفى لعلاج المجذومين وبه أطباء متخصصون وتجري على المرضى فيه الأرزاق والرواتب للعاملين.

وتعد مستشفي الدمرداش أول مستشفى في مصر تم إنشاؤها عام 1928 في مستشفيات جامعة عين شمس، من أموال الوقف، حيث تم إنشاؤها بتبرع من السيد عبدالرحيم الدمرداش (باشا) وتقع بحي العباسية بالقاهرة، وتعد من أقدم وأكبر المستشفيات بالقاهرة.

وسلّم السيد عبدالرحيم الدمرداش (باشا) أصحاب الدولة والوزراء، الذين دعاهم إلى منزله بالرمل، كتابًا يتضمن تبرعه بمبلغ 25 ألف جنيه، وتبرعت كريمته (قوت القلوب الدمرداشية) بمبلغ 50 ألف جنيه وزوجته بمبلغ 25 ألف جنية؛ ومساحة من الأرض تبلغ 15 ألف متر مربع بشارع الملكة نازلي (رمسيس حاليًا) أمام جامع الدمرداش ليبني عليها مستشفي خيري يسع 900 سرير، بمبلغ 40 ألف جنيه، وما بقي وهو 60 ألف جنيه يرصد دخله في الإنفاق على المستشفى.

كما أن جامعة القاهرة تم بناؤها من التبرعات، وتم وقفها لتعليم الطلاب المصريين، حيث أعلنت الأميرة فاطمة تحملها كافة تكاليف البناء التي بلغت 26 ألف جنيهًا في ذلك الوقت، ما يساوى 10 ملايين جنيه في 1983 من مالها الخاص لبناء الجامعة المصرية.

تم ذلك بإهدائها بعض جواهرها وحلّيها لإدارة الجامعة لتسيير مصلحة الجامعة، عرضت للبيع في الجامعة لكنها لم توفق، فقررت الإدارة بيعها في الخارج. وهذه الجواهر عبارة عن عقد من "الزمرد" يحتوي على قطع، ألماس البرلنت حول كل قطعة، هدية من السلطان عبد العزيز لوالدها، أربعة قطع موروثة من سعيد باشا وهي سوار من الماس البرلنت يحتوي على جزء دائرى يتوسطه حجر يزن حوالى 20 قيراط، حوله 10 قطع كبيرة مستديرة، مُركب قطع مربعة الشكل بسلسلة السوار، منها 18 قطعة كبيرة و56 قطعة أصغر منها حجمًا، ريشة من ألماس البرلنت مركب عليها حجارة مختلفة الحجم، و شكلها قلب يخترقه سهم.

عقد يحتوى على سلسلة ذهبية تتدلى منها حجر كبير وزنه 20 قيراط وحجرين صغيرين وزن كلٍ منهما12 قيراط، تتكون الأحجار من ألماس البرلنت، خاتم مركب عليه فص هرمى من الماس، لونه مائل إلى الزرقة.

أوكلت الجامعة الدكتور محمد علوى باشا عملية بيع المجوهرات، الذي باعها بسعر مناسب وهو بحوالى 70000 جنيهًا، عاد ثمن المجوهرات بالنفع على الجامعة.

الوقف على الحيوان:

ومن عجائب وغرائب الوقف: الوقف على الحيوان ورعايته فقد كان من مجالات الوقف على الكلاب الضالَّة:

 حرمة مال الوقف وحمايته

مال الوقف يعد من المال العام الذي حرم الله تعالى عليه وجرم سبحانه أكله وتوعده بالعذاب الأليم قال سبحانه وتعالى: " وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ" [البقرة: 188].

والله - عزَّ وجلَّ - توعَّد بالوعيد الشديد لِمَن أخَذَ من المال العام شيئًا، فقال: "وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" [آل عمران: 161].

 الوسائل التي بها نُحافظ على بَقَاء الوقف واستمراره؟

- ضَبَطَ الإسلام التصرُّف في المال بحدود المصلحة العامة التي قف من أجلها عن نافع عن ابن عمر أن عمر تصدق بمالٍ له على عهد رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وكان يقال له ثمغٍ وكان نخلاً فقال عمر يا رسول الله إني استفدت مالاً وهو عندي نفيسٌ فأردت أن أتصدق به فقال النبي "صلى الله عليه وسلم، تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره"، أخرجه البخاري.

 -  مَنَعَ الإسلام إنفاقَ المال في الوجوه غير المشروعة، وحثَّ على إنفاقه في سُبل الخير، وذلك مبنيٌّ على قاعدة من أهمِّ قواعد النظام الاقتصادي الإسلامي، وهي أنَّ المال مالُ الله، وأنَّ الفردَ مستخلفٌ فيه ووكيلٌ؛ قال -تعالى -: " وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ" [الحديد: 7]، "وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" [النور: 33].

اضافة تعليق