ما تضحكش على نفسك.. كيف تهديها إلى البر أو الفجور؟

السبت، 28 يوليه 2018 12:49 م
6201819133653786626596



عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور ليهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)).

تشريح مختلف للإنسان الباحث عن صلاح أمره، وضعه النبي صلى الله عليه وسلم، ليمحو به غمة التيه التي يعاني منها كل إنسان، خاصة وإن كان هذا الإنسان يعيش حالة نفسية تختلف عن الغلاف الذي يحيا فيه من الخارج.

 
كثيرون يشعرون أنهم على بينة من أمرهم في الالتزام والتمسك بالحلال والحرام، فربما يصلي هذا ويحج هذا ويصوم هذا، ولكن لا يجد في نفسه راحة البال.. وربما يكسب هذا مالا كثيرا ويقنع نفسه بأنه مال حلال، ثم يفاجأ بذهاب البركة عن أبنائه.

فكم منا من يقنع نفسه بغير ما اكتسبت يداه، ويحاول أن يضحك على نفسه، ويطوعها للحرام، ثم يقنع نفسه بأن ما يفعله هو الحلال، وأنه تحرى الله في كل ما يفعله، ثم يجد الله بعيدا عنه، فسيتيقظ على الكذبة الكبرى التي ضحك بها على نفسه، وغرته شهواته، ليجد أنه كان يعيش في معية هذه الشهوة التي كانت تزين له كذبه.

الصدق يهدي إلى البر


يأمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، بوضع الأمور في نصابها من البداية، حتى يستقيم الأمر من أوله،  فيأمرنا بلزوم الصدق  في كل زمان وكل مكان وفي كل الأحوال وفي كل المواقع والمواقف حتى يبلغ المؤمن منه أعلى المراتب، وحتى يقف على أرض صلبة، ويعرف فيها نواياه وحقيقة أعماله ويراجع فيها نفسه، ويحاسب نفسه مبكران حتى تكون حساباته متفقة وموازية للنتائج الربانية التي لا يظلم فيها ربك أحدا.

 كما يخبرنا بأن الصدق يدل صاحبه ويقوده إلى البر وهو اسم جامع لكل الخيرات من فعل الحسنات وترك المنكرات..

ويخبرنا أيضًا بأن البر بدوره يهدي صاحبه الذي يلتزمه إلى الجنة تصديقا لقوله تعالى : {إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا}(الإنسان : 5) وقوله تعالى : {إن الأبرار لفي نعيم…}(الإنفطار : 13).

 ويخبرنا أيضًا أن المؤمن الذي يتوخى الصدق ويتحراه ويتقصده ويتغياه،  فإنه يبلغ به درجة الصديقين ويثبِّت الله له ذلك وهو مأمون الخاتمة إن شاء الله.

 في الحديث أيضا نهْيٌ عن الكذب وتحذير منه ومن عواقبه ومنها أن الكذب يقود صاحبه إلى الفجور وهو الميل إلى الفساد والانبعاث في المعاصي .

 ويقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الفجور بدوره يقود صاحبه ويهديه إلى النار على حد قوله تعالى : {وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين}(الانفطار : 14- 16) .

 كما يخبر الحديث أن الذي يتساهل في الكذب يكْـثُـر منه فيعرف به، أو أن الذي يكذب ويجتهد في الكذب ويتحراه ويجعله جزءًاً من  منهج حياته  ووسيلة من وسائله التي يعتمدها لتحقيق مآربه وينسج به علاقاته..ويتمادى في ذلك، ينتهي به الأمر إلى أن يُـكتب عند الله كذابا أي يَحكُـم عليه بهذه الصفة ويُـظهِــر أمره إلى المخلوقين من الملإ الأعلى ويلقي ذلك في قلوب أهل الأرض.

 أما قوله صلى الله عليه وسلم : «فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة» فهده حكمة من حكم الصدق وثمرة من ثمراته القريبة، وقطف من قطوفه الدانية، وليس يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا بالحِـكم حتى نلتزم أمره ونمتثله بل يكفي أن يأمرنا لأننا نؤمن أنه صلى الله عليه وسلم لا يأمرنا إلا بما فيه خير لنا في عاجلنا وآجلنا: أليس هو من قال فيه الكريم جل ذكره : {النبي أولى بالمومنين من انفسهم}(الأحزاب : 6).

 إن الحِكم التي يذكرها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقترنة بالأحكام التي يبلغها لنا إنما هي من باب التحفيز والتشجيع على امتثال أوامره صلى الله عليه وسلم، وأما حقيقة الامتثال إنما تكون لحكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا للحِكم التابعة للأحكام قال تعالى : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبيناً}(الأحزاب : 36).

 كما يوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن شخصية المؤمن، كشخصية كل إنسان، في صراع مستمر وفي تجدد دائم، وعليه ينبغي للمؤمن أن يمضي قدما في الاتجاه الإيجابي يرتقي نحو المعالي بِحمْـل نفسه على المكارم ومنها التزام فضيلة الصدق باختيارها في كل المواقع والمواقف وإيثارها على كل البدائل المتاحة.


والصدق هو مطابقة القول لواقع المخْـبَـر عنه ومطابقته لما في ضمير المخْـبـِـر، فإذا انخرم شرط من هذين الشرطين لم يكن صدقا. فقد يخبر الإنسان بأمر مطابق للواقع ولا يكون مطابقا لما في ضميره فيكون بذلك كاذبا كما قال تعالى : {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله}(المنافقون : 1) وكلامهم هذا مطابق للواقع وشهد الله تعالى بذلك حيث قال: {والله يعلم إنك لرسوله}(المنافقون : 1) ولما كان هذا الكلام مخالفا لما في ضمائرهم كانوا كاذبين قال تعالى : {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}(المنافقون : 1).

اضافة تعليق