"البردة".. وفي عشق النبي للشعراء مدائح

السبت، 28 يوليه 2018 11:18 ص
وحي

نالت قصائد مدح النبي صلى الله عليه وسلم التي تعرف بـ"البردة" شهرة كبيرة على مر الزمان بين الشعراء، وتعود تسميتها إلى أن كعب بن زهير الشاعر الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر دمه، فكتب قصيدته اللامية الشهيرة والتي مطلعها "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول" وقرأها على النبي الذي تقبّلها منه وألبسه عباءته أي "بردته" الخضراء ليخرج بها بين صحابته دون أن يمسَّهُ أحد، فمن هنا جاءت تسمية القصيدة بالبردة.


لكن مع تعاقب الأجيال والأزمنة والشعراء اختُلف على تسمية قصيدة كعب وهل هي بردة أم لامية، حتى جاء الإمام البوصيري بقصيدة قيل فيها إنَّها أجمل ما كُتب في مدح النبي والتي مطلعها: "أمن تذكُّر جيران بذي سلم * مزجت دمعًا جرى من مقلة بدمِ".

وقيل إنه ألفها لما أُصيب بالفالج "أي الشلل"، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام ووضع عليه بردته فقام من نومه سليمًا معافًى، فأنشأ هذه القصيدة التي صار عوام المسلمين يتبركون بها ويعلقونها في المساجد ويقرؤونها على مرضاهم.

وأصبحت قصيدة البوصيري أشهر قصيدة سُميت بالبردة، وتُسمى أيضًا "الكواكب الدُرية في مدح خير البرية"، لكنها تعدَّت بعد ذلك كونها مجرد قصيدة تُقال أو أبيات يُتبرك بها بل كانت وسيلة للشعراء السابقين واللاحقين لسرد التاريخ وذكر المصائب والمحن التي ألمّت بأقوامهم والاستغاثة بالنبي والالتجاء إليه حنينًا وتبركًا لرفع الغيوم عن سماء دُولهم.

كعب بن زهير وأول طلب لجوء إلى النبي

بينما كان كعب ابن زهير طفلًا صغيرًا يجوب طرقات المدينة تنامت إلى مسامعه أصوات الشعراء الكبار من قبيلته يقولون الشعر ويتفاخرون به فيما بينهم، فما كان من الطفل الصغير إلا أن حاول تقليدهم فبدأ بنظم الشعر حتى سمعَه أبوه فزجره وارتدعه خوفًا من أن يقول شعرًا رديئًا يجلب له العار ويقضي على تاريخ العائلة المجيد في الشعر، فأخذ بيد ولده يعلمه ويهذب لسانه حتى يأخذ عنه حُسن الصنعة وجمال النظم.


لم يتعلّم كعبُ من شاعرٍ عاديّ، بل كان أبوه زهير بن أبي سُلمى أحد أشهر شعراء العرب وصاحب المعلقة الشهيرة التي مطلعها: "أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ * بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ".

بعد سنين مات أبوه قُبيْل ظهور الإسلام، وبدأ لسان كعب ينطق في شتَّى ألوان الشعر حتى ظهرت دعوة النبي فاستقبلها بالذم والهجاء، وأخذ يهجو النبي وأصحابه وجماعة المسلمين الذين اتبعوه، فما كان من النبي إلا أن أهدر دمه.

ربما تذكر كعب حينها زجر أبيه له عن قول الشعر، حاول اللجوء لقبيلته فرفضته، ذهب إلى أخيه لحمايته، لكنه سبقه إلى الإسلام فلم ينل ما يريد، تفكر قليلًا في حاله ودمه مهدور لا يجد حاميًا ولا ملتجأً، سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم، يقبل كل من يلجأ إليه ويعفو عمّن ظلمه وعاداه، فأخذ بنظم قصيدته اللامية التي ابتدأها كما بدأ أبوه معلقته، بالبكاء على الأطلال فأتى مطلعها: "بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ * مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ".


قرأ كعب قصيدته على النبي بعد أن انتهى من الصلاة، وحين وصل إلى البيت: "إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ * مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ"، خلع النبي بُردته الخضراء وأعطاها له كناية عن حمايته إذ لن يقتل الصحابة أحدًا مرتديًا بردة النبي فاشتهرت بعد ذلك بالبردة.

لم يقصد كعب بهذه القصيدة مدح النبيّ فقط، بل كانت رواية لمحنته الشخصية بعد إهدار دمه والتجاءً منه إلى النبي وهكذا سار من نظموا البردة على دربه فلم تكن مدحًا وحسب، بل كانت تأريخًا هامًّا لمعاناة المسلمين بعد ذلك على اختلاف أزمنتهم ووجوه المعتدين عليهم.

احتفظ كعب بعباءة النبي "البردة"، ورفض إعطاءها لأي شخص حتى مات فقيل إنها ذهبت لبيت المسلمين وتنقلت من خليفة لآخر إلى أن ضاعت بعد غزو المغول وتدميرهم لديار المسلمين، دخل المغول فدمروا البردة، لكنهم أيقظوا في عقل البوصيري بردة أخرى أكبر أبياتًا وأكثر شهرةً ستظل خالدة الذكر في كتب التاريخ بعد زوال المغول وحتى يومنا هذا.

 البوصيري

 الإمام البوصيري محمد بن سعيد بن حمّاد وأصله من قبيلة صنهاجة بالمغرب، وُلد في قرية أبو صير التابعة الآن لمحافظة بني سويف بجنوب مصر عام 1213، تعلّم في كُتّاب القرية وحفظ القرآن كاملًا بعمر ثماني سنوات وحين بلغ من عمره 15 عامًا شهد استعادة الصليبيين لبيت المقدس مرة أخرى، وحين يصل عمره إلى 36 عامًا وهو شاب يافع سيدخل الصليبيون بقيادة لويس التاسع إلى المنصورة ويتم أسر لويس في دار ابن لقمان. وهكذا بين محنة ومنحة، انتصار وانكسار يعيش الإمام الذي سيبقى اسمه محفورًا على جدران التاريخ الإسلامي.


بعد تسع سنوات سيسمع البوصيري بمحنةٍ أكبر وأعظم كادت أن تقضي تمامًا على الإسلام والمسلمين، مذابح ودماء، قتلى وأشلاء، كُتب تخضبت بالدم، وقوة غاشمة لا ترحم، لقد دخل المغول بغداد، فقتلوا فيها من قتلوا، وحرقوا فيها ما حرقوا، وصلت الأنباء إلى الإمام فهاله أن يصير حال المسلمين إلى هذا الهوان، أُصيب الإمام بالفالج "الشلل النصفي" الذي أقعده في بيته.

ينام الإمام ليلته مثقلًا بالهموم والتفكير، بين محنة شخصية بالمرض، ومحنة عامة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المسلمين، في المنام يرى النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع عليه بردته، بعدها يستفيق البوصيري من نومه ليجد نفسه قد برأ وشُفي من هذا المرض، فبدأ بنظم قصيدته التي سماها «الكواكب الدُرية في مدح خير البرية» وأُطلق عليها فيما بعد «البردة» على افتراض صحة رواية الرؤيا الشهيرة. أنشد البوصيري بردته مدحًا للنبي، وعرفانًا له، واستغاثة به.

يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به * سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي * إذا الكريم تجلى باسم منتقم
بعد سنوات من تلك الاستغاثة سيشهد الشيخ الكبير في العمر انكسار شوكة المغول وهزيمتهم في معركة "عين جالوت"، وسيطول عمره حتى يشهد اندثارهم تمامًا من بلاد المسلمين.

ويموت الشيخ وقد تحقق له ما أراد تاركًا بردته الشهيرة التي اتخذها الناس بركة وبُرأة، يلقونها على مرضاهم رجاء أن يتم شفاؤهم، لكن مكانة البردة لم تتوقف بين عامة الناس وما اعتقدوه فيها، بل وصلت آفاقًا أُخرى؛ إذ حاول الشعراء معارضتها فيما بعد، والمعارضة هي أن يكتب الشاعر قصيدة مشابهة لقصيدة أخرى في الوزن والقافية ومختلفة في المعنى، وكان أبرز من عارض بردة الإمام رجلٌ يُقال عنه إنه من أشعر شُعراء العربية.

أحمد شوقي

بينما كان الطفل أحمد شوقي صاحب الأعوام الثلاثة عشر يلهو في شُرفات قصر الخديوي توفيق حيث كانت جدته لأمه تعمل وصيفة لأبيه إسماعيل، كانت البوراج البحرية الإنجليزية تدُك مدينة الإسكندرية بالقذائف التي وصل صداها إلى الميناء الشرقي حيث يرقُد قبرُ الإمام البوصيري صاحب البردة، معلنة عن بدء الاحتلال البريطاني لمصر والذي سيستمر لمدة 73 عامًا وسيقوم بعد ذلك بنفي شوقي إلى خارج البلاد.


شهد أحمد شوقي الاحتلال وعاصر ما عاناه المصريون على يديه، في الوقت الذي كانت شمس الخلافة العثمانية تبدأ بالأفُول وتلفظ أنفاسها الأخيرة بعد معاناة من التفكك والانحلال. في تسعينيات القرن التاسع عشر وبعد أن تمكَّن الإنجليز من إحكام سيطرتهم على البلاد بدأ أحمد بن علي بن أحمد بن شوقي نظم قصيدته الشهيرة «نهج البردة» معارضًا فيها بردة الإمام محمد بن سعيد البوصيري.

ابتدأ شوقي قصيدته بالغزل كما بدأ البوصيري قصيدته، فأتى مطلع بردته:
ريمٌ على القاع بين البان والعلم * أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
وبعد أن انتهى من الغزل ومدح النبي استغاث شوقي بمكانته عند الله فقال:
رأى قضاؤك فينا رأي حكمته * أكرم بوجهك من قاضٍ ومنتقم
فالطف لأجل رسول العالمين بنا * ولا تزد قومه خسفًا ولا تسم
يارب أحسنت بدء المسلمين به * فتمم الفضل وامنح حسن مختتم
لم يشهد شوقي جلاء الإنجليز عن مصر كما شهد مقدمهم، ولن يعرف شيئًا عن إسرائيل التي ستغزو مصر بعد الإنجليز وستخرج منها كما خروجوا هم، لكن خروجها من مصر هذه المرة سيشهده شاعرٌ جرؤ على معارضة البوصيري وشوقي.

تميم مريد البرغوثي

في السابع والعشرين من ديسمبر عام 2008، شنت إسرائيل واحدة من أعنف موجات عدوانها على قطاع غزة في عملية أسمتها بالرصاص المصبوب، وبينما كان الفوسفور الأبيض يُصبُّ على رؤوس أطفال القطاع المُحاصر كان تميم البرغوثي في المنفى يرى ما يحدث لأبناء وطنه من عدوان غاشم .

خرج تميم مشتتًا بين بلدان العالم، يحمل همًا بداخله على أسرته وخاطرًا يشغله دائمًا على أبناء وطنه، وكانت أحلك هذه الهموم حين دخلت والدته "رضوى عاشور" أستاذ الأدب الإنجليزي المستشفى، لم يستطع زيارته المستشفى والوقوف بجانبها في أشد لحظات احتياجها له، كل هذه المشاهد تداعت إلى رأسه في طريق عودته من المقهى إلى البيت، فأخذ يرنم: "مولاي صل وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم"، وبدأ في إنشاد بردته مستغيثًا بالنبي وراجيًا من الله أن يفك الكرب ويفرج الهمّ عنه.

بدأ تميم قصيدته بالحب كما فعل سابقوه فجاء مطلعها: "ما لي أحنُّ لمن لم ألقهم أبدًا * ويملكون عليّ الروح والجسدا" ثم انتقل إلى مدح النبي فأضاف له لونًا جديد، إذ لم يقم بمدح النبي على صفاته، أو معجزاته، بل على بشريّته، وعلى شجاعته، وإنسانيته.

وَلَسْتُ أَمْدَحُهُ مَدْحَ المُلُوكِ فَقَدْ * رَاحَ المُلُوكُ إِذَا قِيسُوا بِهِ بَدَدَا
وَلَنْ أَقُولَ قَوِيٌّ أَوْ سَخِيُّ يَدٍ * مَنْ يَمْدَحِ البَحْرَ لا يَذْكُرْ لَهُ الزَّبَدَا
وَلا الخَوَارِقُ عِنْدِي مَا يُمَيِّزُهُ * فَالله أَهْدَاهُ مِنْهَا مَا قَضَى وَهَدَى
 لكنْ بِمَا بَانَ فِي عَيْنَيْهِ مِنْ تَعَبٍ * أَرَادَ إِخْفَاءَهُ عَنْ قَوْمِهِ فَبَدَا

اضافة تعليق