نقطة التحول التي صنعت الفارق في شخصية عمر بن عبد العزيز

السبت، 28 يوليه 2018 10:25 ص
عمر بن عبدالعزيز

برغم أنه لم يعاصر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا كان من صحابته، بل لم يكن من الخلفاء التابعين بعد وفاة النبي، إلا أن أحدا لا يستطيع أن يذكره دون أن يربط بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، بل ويحسبه من أهل الجنة، ولم لا وهو أعدل من حكم بعد الخلفاء الراشدين.. إنه عمر بن عبدالعزيز الذي استحق أن يلقب بالخليفة الخامس.

وأغرب ما في حياة عمر بن عبدالعزيز أنه كان أميرا من نسل أمراء وملوك الدولة الأموية، ورغم حياة الترف التي تربى عليها، إلا أنه سرعان ما تحول إلى النقيض تماما بعد توليه الخلافة وزهد زهُدا لو وزع على الناس أجمعين لكفاهم.

كانت نقطةُ التحول في حيات عمر بن عبدالعزيز يوم أن فُتِحَتْ زخارف الدنيا كلُّها بين يديه، يأخذ ما يشاء ولا يحاسبه أحدٌ إلا الله، هذه اللحظة التي تضعُف فيها النفوس كانت نقطة الاستفاقة في حياة عمر، فخاف أعظم ما يكون الخوف، وعدل أحسن ما يكون العدل، لقد خاف عمر ولم يكن خوفه إلا من الله، فلم يكن بينه وبين الله أحدٌ من الخَلْق يخشاه.

لم تتغَيَّرْ حالُه بسبب موت قريب، ولا بفجيعة لعزيز، ولا أنه قد كبر في السِّنِّ، أو اعتلَّه المرض، كلاَّ، لقد كانتْ نقطةُ التحوُّلِ في حياة عمر أن تولَّى الخلافة، فأصْبَحَتْ خزائنُ الدُّنيا بحذافيرها بين يديه في هذه اللَّحظة، التي تضعف فيها النُّفوس، كانت نقطة الاستقامة والتحوُّل في حياة عمر.

عندها غيَّر عمر مسار حياته؛ لأنه تَيَقَّن أنَّه قد تَحمَّلَ حِملاً عظيمًا كبيرًا، فَرفَضَ أطايب الحياةِ ومناعمها، ولاذَ بِتَقَشُّفٍ لا يَكاد يُطاق.

بدأ ابن عبدالعزيز خلافته بإصلاح مملكتِه، فبدأ بنفسِه، فنظَر إلى ثروتِه، فرأى أن ذلك ثراء حَصَّلَه من بيت مال المسلمين، فباعَ ما يملك، وردَّه في بيت المال، ثم غدا على زوجته فاطمة بنت عبدالملك، ابنة الخليفة، وزوجة الخليفة، وأخت الخليفة، فخيَّرها بين ثَرَائِها وحُليِّها، وبين أن تَبْقَى معه، فاختارتْ زوجَها، وتَخَلَّت عن كلِّ حُليِّها وأموالِها إلى بيتِ المال، ثم كَتَبَ إلى بني عُمُومته من أمراءِ بني أُمية فوعَظَهُم، وذكَّرهم أن يردُّوا الأموال إلى خزائنِ الدولة، ثم قَطَعَ عنهم كلَّ صلاتٍ كانوا يأخذُونها، وهدايا كانوا يستلمونها، وأبلغهم برسالةٍ واضحةٍ أن الناس في سُلطانِه سواء، ثم التَفَتَ إلى الوزراء والقادة والعمَّال، فعزلَ مَن ليسوا أهلاً للمناصب، ثم تَخَيَّر من رعيتِه مَن يثقُ في دينِه وأمانتِه، ويعرفُ قوَّتَه وأهليَّته، فعينَهم تلكَ المناصب، وأرفقهم برسائل يذكِّرهُم فيها بِعِظَم ما تحمَّلوه، وأمانة ما كلفوا به.

وأثارتْ تَصرُّفات عمر وحِفْظه للمالِ العامِّ بعضَ أقاربه، ممَّن عاشوا على الأعطياتِ والمخَصَّصات، فأرسلوا من يُبَلِّغُه غضبَهم، وعدمَ رضاهم عنه؛ فكان جوابُ عمرَ للرسول: قل لهم: إن عمرَ يقول: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأنعام: 15].

لما دُفِنَ الخليفةُ السابق [سليمان بن عبد الملك] قُرّبت مراكبُ الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال: ما لي ولها، نحّوها عنّي، وقربوا إلي دابتي، فركب دابته، وسار، وسار معه الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال:"أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فلما رأى ذلك: حمد الله وأثنى عليه، وصلىّ على النبي صلى الله عليه وسلّم وقال: أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلفٌ من كل شيء وليس من تقوى الله عز وجل خلف، واعملوا لأخرتكم، فإنه من عمل لأخرته كفاه الله أمر دنياه، واصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنّه هادم اللذات، ألا وإني لستُ بخير من أحدٍ منكم ولكني أثقلكم حملاً".

تقول فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز: "دخلت على عمر، فإذا هو في مصلاه، يده على خده، ودموعه سائلة، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما بك؟! أشيء حدث؟!

قال: يا فاطمة! إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت".

تولى عمر الخلافة لثلاث سنوات كان الذئب يرعى فيها الغنم، فلما مات عمر اعتدى الذئب على الغنم فعلم الراعي أن عمر مات.. ولما نزل به الموت قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم قال: إني لأرى حضوراً ما هم بأنس ولا جن - وقال لأهله - اخرجوا عني، فخرجوا وجلسوا عند الباب، فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه ثم تلا قول الله تعالى: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83].

اضافة تعليق