مسئولية الأطباء عن أخطائهم.. هكذا يراها الفقهاء

السبت، 28 يوليه 2018 10:17 ص
مسئولية الأطباء عن أخطائهم كما يراها الفقهاء


 لا يتوقف الجدل عن أخطاء بعض الأطباء عند إجرائهم لبعض العمليات الجراحية أو عند معالجتهم لبعض المرضى؛ فما هو الحكم الشرعي في هذه الأخطاء؟ وما مدى المسؤولية على الأطباء؟

يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل، والمفتي الأسبق، إن المسؤولية تختلف أهميتها وخطرها باختلاف آثارها ونتائجها، ومما لا شك فيه أن المسؤولية الملقاة على عاتق الأطباء تعتبر من أعظم المسؤوليات وأضخمها؛ لأنهم هم الأمناء على أرواح الناس وأبدانهم، وعلى أيديهم يتم الشفاء بإذن الله من أعضل الأمراض، وأشدها كما أن الخطأ منهم أو الإهمال كثيرًا ما يؤدي إلى تأخر الشفاء أو إلى الهلاك والموت.

 
ثانيًا: مهنة الطب من المهن التي وجدت منذ آلاف السنين؛ لأن الإنسان في كل زمان ومكان يبحث عما يشفيه من مرضه، وقد يضحي في سبيل ذلك بكل ما يملك من أموال؛ إذ الصحة نعمة لا تعادلها نعمة ولا يعرف قيمتها معرفة تامة إلا الذين ذاقوا آلام المرض وجربوا متاعبه وهمومه، وفي الحديث الشريف: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ» رواه البخاري، ولقد اقتضت رحمة الله تعالى بعباده أن يوجد في كل زمان ومكان أناس يوفقهم إلى معرفة الدواء الذي يؤدي إلى الشفاء من العلل والأسقام.


 وإذا كانت معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تتناسب مع ما برع فيه أقوامهم فإننا نجد أن معجزة عيسى عليه السلام كان هناك جانب كبير منها يتعلق بالطب؛ لأن الطب في زمنه عليه السلام كان على رأس المهن التي نبغ فيها قومه، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْني﴾ [المائدة: 110.
 

ولقد كان كتاب "القانون" في الطب للشيخ الرئيس ابن سينا المتوفى سنة 428هـ من المراجع الطبية الأصيلة في أوربا، ووصل الحال بهم أنهم كانوا لا يمنحون شهادة الطب للشخص إلا إذا كان مجيدًا لجميع النظريات التي اشتمل عليها هذا الكتاب النفيس الذي ترجم إلى اللغات المختلفة.


ثالثًا: لقد أمرت شريعة الإسلام بالتداوي من الأمراض ووضعت لذلك وسائل متعددة منها:

أ- البحث عن الدواء المناسب على يد الطبيب الثقة المشهود له بتخصصه في هذا الفن؛ فقد روى الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً»، وفي رواية: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»، أي: فإذا نزل الدواء على الداء بشرب أو غيره برأ المريض من علته بإذن الله تعالى.

ب- التحرز عن كل ما يؤدي إلى المرض عن طريق الحجر الصحي والابتعاد عمن يحمل الأمراض المعدية، روى الشيخان البخاري ومسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ -أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ-، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ"، وعندما اختلف الصحابة في دخول بعض بلاد الشام التي ظهر بها الطاعون، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: إن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ».


رابعًا: وإذا كانت هناك صفات كريمة وخلال حسنة يجب أن يتحلى بها الناس في تعاملهم مع غيرهم فإن أولى الناس بالتحلي بهذه الصفات الكريمة هم الأطباء.

 
ويتبين لنا أن الفقهاء قد عرفوا الطبيب تعريفًا مناسبًا واشترطوا لمن يشتغل بالطب شروطًا دقيقة وقرروا أن على الأطباء أن يجعلوا لهم رئيسًا منهم يتولى رعاية شؤونهم ويختبر من يريد الاشتغال بالطب، كما أن الفقهاء قد تعرضوا للعقوبة التي يجب أن يعاقب بها من يهمل في أداء هذه المهنة الشريفة أو من يكون دخيلًا عليها، وأن على المحتسب أن يأخذ على الأطباء العهود والمواثيق أن يؤدوا وظيفتهم على أكمل وجه وعلى أن يلتزموا عند أدائهم لوظيفتهم الآداب السامية التي تقتضيها مهنتهم الشريفة.

كما يتبين لنا بوضوح أن الفقهاء قد تعرضوا لبيان العقوبات الشرعية التي تترتب على مخالفة الطبيب وغيره لما تقتضيه طبيعة مهنته من أمانة وخبرة وأداء سليم لها، وملخص ما قالوه في ذلك: إن نتائج مخالفته لآداب مهنته إن كانت جنائية عوقب بما يناسب جنايته، وإن كانت غير ذلك فهي داخلة في نطاق الأشياء التي يمكنها المحتسب ويملك العقوبة بها من الناحية التأديبية، ولقد كان المحتسب في الأزمان الماضية يملك ما تملكه أية هيئة إدارية اليوم أو ما تملكه نقابة الأطباء بلوائحها ورسومها، وبذلك يكون الفقه الإسلامي قد نظم مهنة الطب وقصرها على الأشخاص الذين يحكم أهل الخبرة وعلى رأسهم كبير الأطباء بأنهم يصلحون للقيام بهذا العمل الإنساني الدقيق، ويكفي دلالة على ذلك ما رواه أبو نعيم من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ» رواه بن ماجه.

اضافة تعليق