صلاة وسعي.. المسلم بين أمرين: عبادة وعمل

الجمعة، 27 يوليه 2018 11:48 ص
339003387c5e55aac6c9c83ca4236d24

"فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، هذا أبلغ دليل للرد على من يقولون بأن الإسلام ليس دين حياة، كيف هذا وهو يدعو أتباعه إلى الانصراف إلى شئون حياتهم ومباشرة أعمالهم، والسعي على أرزاقهم، بعد أن يفرغوا من أداء الصلاة مباشرة.

لم يطلب منهم المكوث في المسجد، بل طلب منهم السعي وعدم التواكل، وابتغاء الرزق من الله الواحد الأحد، وهذا هو محور حياة الإنسان المسلم، لا يفرط في طاعة الله، وهو مهموم بالبحث عن الرزق، ولا يتنسك في المسجد زهدًا في الحياة، بل حياته بين هذين الأمرين: العبادة والعمل.

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي، إن الحق سبحانه وتعالى يطلب ذلك من المؤمنين وهو العليم بأنهم يداومون الولاء له سبحانه كل يوم خمس مرات، ثم بعد صلاة الجمعة يطالبهم بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله تعالى، وينبهنا أن نداوم على ذكره فكأنه يقول: إياكم أن تلهيكم أعمالكم ومصالحكم الدنيوية عن ذكر الله، أو تعتقدوا أن ذكر الله في المسجد أو وقت الصلاة فقط، بل داوموا على ذكر الله في كل أحداث الحياة، فإن فعلتم ذلك وذكرتم الله كثيرًا فستكونون من المفلحين.

وذكر الله كثيرًا معناه أنك تشعر في كل لحظة أن الله سبحانه وتعالى معك فتخشاه وتحمده وتستعين به، وهكذا تكون الصلة دائمة بينك وبين الله عز وجل في كل وقت.

مثال ذلك ما حدث في عام 1973 في معركة العاشر من رمضان، كان ذكر الله يملأ القلوب واستمد الجند من قولهم: الله أكبر طاقة هائلة واجهوا بها العدو، واقتحموا خط بارليف، وأعانهم الحق بمدد الإيمان من عنده، وأوجد في نفس كل منهم طاقة هائلة تحقق بها النصر؛ وذلك بإجادة التدريب ومداومة الذكر لله تعالى.

وهذا جوهر الإسلام، فالمسلم في عبادة دائمة لله، حتى وهو يتكسب المال، فإذا ما حرص على تحري الحلال، واتباع طرقه المأمور بها، فهو في عبادة، وإذا ما حصل على حقه بدون مبالغة في الأجر، ولا غش أو تدليس، فذلك عبادة أيضًا.

والإنسان مأمور بالسعي في الأرض، وقد ورد لفظ "السعي" في القرآن في ثلاثين موضعًا، على ثلاثة معان: 

الأول: يُطلق على المشي، من ذلك قوله تعالى: " ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا"، أي: يأتينك مشيًا على أرجلهن، ونحو ذلك قوله سبحانه: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ"، أي: المشي معه، روي هذا عن قتادة وغيره. 

الثاني: يُطلق على الإسراع والحرص وبذل العزم لتحصيل شيء، ومنه قوله تعالى: "وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى"، قال ابن كثير: أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له. وقال الشوكاني: أي: وصل إليك حال كونه مسرعًا في المجيء إليك، طالبًا منك أن ترشده إلى الخير، وتعظه بمواعظ الله. ونحو ذلك قوله سبحانه: "وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى"، قال قتادة: كان يعبد الله في غار، فلما سمع بخبر الرسل جاء يسعى.  

الثالث: يُطلق السعي على العمل والكسب، من ذلك قوله تعالى: "وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا"، قال القرطبي: أي: عمل لها عملها من الطاعات. ونحو ذلك قوله تعالى: " ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى"، قال الطبري: يعمل في معصية الله، وفيما يُسخطه عليه. وعلى هذا المعنى قوله سبحانه: " فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ"، قال الطبري: وأصل السعي في هذا الموضع العمل. 

وعن شُرحبيل بن مسلم الخولاني، قال: فاسعوا في العمل، وليس السعي في المشي. وقال قتادة: يعني: أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها، وليس المراد بالسعي ها هنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون عليكم السكينة" متفق عليه. 
وعلى هذا المعنى أيضًا قوله سبحانه: "إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى"، قال الطبري: إن عملكم لمختلف أيها الناس؛ لأن منكم الكافر بربه، والعاصي له في أمره ونهيه، والمؤمن به، والمطيع له في أمره ونهيه.

وقد حفز النبي صلى الله عليه وسلم، المسلمين على السعي على الأرزاق، فقال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله"، والمقصود به: أن يد المعطي أفضل من يد الآخذ.

وسئل أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن المقصود بمن تعول؟ فقال: زوجتك، تقول: أنفق عليّ أو فارقني، وخادمك، يقول: أطعمني واستعملني، وولدك، يقول: إلى من تتركني؟، فمثّل بهؤلاء، والمقصود أن كل من تحت يده ممن استرعاه الله -عز وجل- إياهم فهؤلاء هم من يعولهم، من يجب عليه نفقتهم، وهم مَن له من ولد وبنت، وكذلك أيضاً الوالد والوالدة، يعني: الآباء، وإن علوا إذا كانوا يحتاجون إليه، لا يجدون، فإنه يجب عليه أن ينفق عليهم.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: "دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يَوم المسجدَ، فإذا هو برجلٍ من الأنصار، يقال له أبوأُمامة، جالسًا فيه، فقال: "يا أبا أُمامةَ، مالي أراك جالسًا في المسجد في غَير وقتِ صلاة؟" قال: هُمُوم لَزِمتْني ودُيُون يا رسول الله، قال: "ألا أُعَلِّمُك كلاماً إذا قلتَه أذْهَبَ الله عز وجل هَمكَ، وقضى عنك دَيْنك؟" فقال: بلى يا رسول الله، قال: "قل - إذا أصبَحتَ وإذا أمسَيْتَ -: اللَّهمَّ إني أعوذ بك من الهَمِّ والحَزَنِ، وأعوذُ بك من العجْزِ الكَسَلِ، وأَعوذُ بك من البخْلِ والجُبْنِ، وأعوذ بك من غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقَهرِ الرجال" فقلت ذلك، فأَذهَبَ الله همِّي، وقضى عني دَينْي".

والله تعالى يقول: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ * وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"، فالمشي في الأرض يكون بالعمل فيها والسعي لعمارتها وهذا ما عليه جُمهور المفسّرين من أهل العلم، ولكن دون إهمال العبادات فالأولى أن تؤدى العبادات والفرائض، ثم ينطلق إلى العمل في الأرض لعمارتها والقيام على مصالحها وهوَ ما بينه الله تعالى في فريضة يوم الجُمعة وصلاتها، حيث إن العمل والحض عليه واضح مع الأخذ بأولويّة العبادات "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّـهِ وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".

اضافة تعليق