هل شرع العقاب للتعذيب؟.. الإجابة من السيرة

الجمعة، 27 يوليه 2018 10:48 ص
هل شرعت الكفارة والعقاب لتعذيب صاحبها



عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت قال «مالك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، فقال: «هل تجد إطعام ستين مسكينا؟» قال: لا. قال: «فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أتى النبي بعرق فيها تمر والعرق المكئل- قال: «أين السائل؟» فقال: أنا.. قال: «خذ هذا فتصدق به» فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله ؟ فوالله ما بين لابتيها يريد الحرتين أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: «أطعمه أهلك».

 
إذا نظرت للحالة التي جاء بها الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو يرتجف ويشعر بمصيبة مهلكة وقع فيها لا خلاص له منها، فأخذ النبي يساعده على تهدئة نفسه وإيجاد المخرج والخلاص لها، فعدد عليه النبي مسالك التكفير عن هذا الذنب واحدة تلو الأخرى؛ فلم يستطع إتيان أحدها حتى وصل به الحال أن أخذ كفارة ذنبه ليطعمها هو وعياله الفقراء.

 ماذا نستفيد من الحديث


يتضح من الحديث مسألة عظيمة، ألا وهي شرعية العقوبة، فما جعلها النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابي، إلا للكفارة عن ذنوبه، وليس لتعذيبه بها، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ يبحث مع الرجل مما جاء به الشرع الشريف، عن الطريقة والخيارات التي يستطيع من خلالها تكفير ذنوبه، ما يوضح أن العقوبة أو الكفارة مقصورة لتصفية نفس المذنب ومساعدته على العفو عن نفسه، وكذلك شرعت لأجل الندم والرجوع عن الخطيئة، وقد تحقق هذان الأمران في نفس الصحابي فضحك النبي وأعطاه العرق وصرفه.

 ويلاحظ أن مسالك التكفير عن الذنب تظهر في شكل أعمال تكافلية يعود نفعها على المجتمع كله وأن النبي صلى الله عليه وسلم ببساطته وسماحته سهل على المؤمن سبيل السكينة والعفو عن ذاته كي يقبل على عمله وإعماره الحياة بقلب منشرح غير قلق ولا متوتر.

 كما نجد أن الشريعة الإسلامية في تعاملها مع مشكلات المجتمع وذنوب العباد، وحتى جرائمهم، لا تعتمد على أسلوب التشريع أو الرادع الخارجي فحسب بل تركز بالإضافة إلى ذلك على الوازع الداخلي، فهي تهتم بالضمير الخلقي اهتماما أكبر وتسعى إلى تربيته لدي الإنسان حتى ينشأ على الأخلاق الفاضلة، وتربط ذلك كله بالوعد الأخروي فتعد من يعمل الصالحات بالفوز والفلاح وتنذر المسيء سوء المصير، ومن ثم فهي تثير الوجدان حتى يساهم في إقلاع المذنب عن ذنبه إيمانا بالله ورجاء لرحمته وخوفا من عذابه والتزاما بالأخلاق الفاضلة حبا للآخرين وإحسانا إليهم وتركا للإساءة إليهم.

كما أن الله جل وعلا قد شرع لعباده التوبة والإنابة إليه وحثهم عليها ورغبهم فيها ووعد التائب بالرحمة والغفران مهما بلغت ذنوبه فمن جملة ذلك قوله جل وعلا: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) [الزمر: 52-53]. وقال تعالى: ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) .[ البقرة: 222].

كما حث الشرع المسلمين على الإسراع بالتوبة، والعمل على تكفير الذنوب، رحمة بالمسلمين من العقاب، ووضع الشرع شروطا لهذه التوبة، أهمها الإخلاص وهو ما وجده النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الصحابي بأنه ندم حقا ويريد تكفير هذا الذنب، فلما وضحت نيته، ساعده النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وأخذ يعدد له ما خير فيه الشرع من اجل تكفير ما اقترفه من ذنب بحسب طاقته.

واشترط الإسلام الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم الرجوع إليه، وأن تكون التوبة قبل أن يصل العبد إلى حال الغرغرة عند الموت.

 "ماعز" ودليل آخر

 
دليل أخر على أن الكفارة والعقاب لم يكن إلا لنجاة المسلم الذي يبحث عن توبته، وليس لتعذيبه، وتتضح العبرة من خلال ماعز بن مالك كان رجلا من الصحابة، وسوس له الشيطان يوما وأغراه بجارية لرجل من الأنصار، فخلا بها عن أعين الناس وكان الشيطان ثالثهما، فلم يزل يزين كلا منهما لصاحبه حتى زنيا!.

فلما فرغ ماعز من جرمه تخلى عنه الشيطان، فبكى وحاسب نفسه ولامها، وخاف من عذاب الله، وضاقت عليه حياته، وأحاطت به خطيئته، حتى أحرق الذنب قلبه، فجاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ووقف بين يديه وصاح من حر ما يجد وقال:

يا رسول الله..إن الأبعد قد زنى فطهرنى

فأعرض عنه النبى صلى الله عليه وسلم،فجاء من شقه الآخر فقال:

يا رسول الله..زنيت فطهرنى

 

فقال صلى الله عليه وسلم:

 

ويحك ارجع..فاستغفر الله وتب إليه.

 

فرجع غير بعيد، فلم يطق صبرا فعاد إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله..طهرنى

 

فصاح به النبى صلى الله عليه وسلم وقال: ويلك..وما يدريك ما الزنا ثم أُمر به فطُرد وأُخرج.

 

ثم أتاه الثانية فقال: يا رسول الله، زنيت فطهرنى

 

فقال صلى الله عليه وسلم: ويلك،وما يدريك ما الزنا ثم أمر به فطُرد وأُخرج

 

ثم أتاه الثالثة والرابعة كذلك..فلما أكثر عليه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبه جنون

 

قالوا :يا رسول الله. ما علمنا به بأسا

 

فقال: أشرب خمرا

 

فقام رجل فاستنكهه وشمه فلم يجد منه ريح خمر، فقال صلى الله عليه وسلم:

 

هل تدرى ما الزنا

 

قال: نعم..أتيت من امرأة حراما،مثل ما يأتى الرجل من زوجته حلالا.

 

فقال صلى الله عليه وسلم:فما تر يد بهذا القول

 

قال:أريد أن تطهرنى

 

قال صلى الله عليه وسلم:نعم

 

فأمر به أن يُرجم..فرجم حتى مات..

 

فلما صلوا عليه ودفنوه مر النبى صلى الله عليه وسلم على موضعه مع بعض أصحابه، فسمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه:

 

انظر إلى هذا الذى ستر الله عليه ولم تدعه نفسه حتى رُجم رجم الكلاب..

 

فسكت النبى صلى الله عليه وسلم ثم سار ساعة.. حتى مر بجيفة حمار قد أحرقته الشمس حتى انتفخ وارتفعت رجلاه.

 

فقال صلى الله عليه وسلم:أين فلان وفلان

 

قالا: نحن ذانِ يا رسول الله

 

قال :انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار

 

قالا: يا نبى الله..غفر الله لك، من يأكل من هذا!

 

فقال صلى الله عليه وسلم :ما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من أكل الميتة..لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم،والذى نفسى بيده إنه الآن لفى أنهار الجنة ينغمس فيها.

اضافة تعليق