شاهد| حصون "خيبر" التي حاصر فيها النبي اليهود

الجمعة، 27 يوليه 2018 10:18 ص
2151

 
ربما يخفى عن الكثيرين، أن حصن خيبر لا زالت آثاره موجودة حتى بعد أكثر من 1400 سنة، من اقتحام المسلمين له، بعد أن نقض اليهود عهوده معهم.

وخيبر تقع في نطاق منطقة المدينة المنورة، وتبعد عنها 153 كم (95 ميل) إلى الشمال.

تعتبر خيبر ولا تزال منذ أقدم العصور واحة واسعة ذات تربة خصبة معطاءة وذات عيون ومياه غزيرة وتربتها تربة جيدة للغاية تصلح لزراعة الحبوب والفواكه على اختلاف أنواعها، كما أنها تعتبر من أكبر واحات النخيل في جزيرة العرب ويكفي لصحة هذا القول أن المسلمين أحصوا من النخيل الموجود بالنطاه فقط (وهو أحد أودية خيبر الكبيرة) فوجدوا بها أربعين ألف نخلة.



وتتكون خيبر من حرة تكسوها الحجارة السوداء وتغطي أكثر مواضعها بحيث يصعب السير فيها إلا من طرق مخصوصة.

هذه الحرار تكونت من جراء ثورات بركانية تقذف حممها فتسيل على سطح الأرض مكونة الصخور السوداء. 

وخيبر هي أعظم حرار بلاد العرب وهذه الحرة واقعة بين السهول الممتدة في الجنوب الشرقي من المدينة المنورة

وهذه الحرة يطلق عليها قديمًا أسماء كثيرة فجنوبها الشرقي يعرف بحرة فدك، الحائط حاليًا وشمالها الشرقي يعرف بحرة (ضرغد) أو لابة ضرغد ووسطها الذي فية خيبر يعرف باسم (حرة النار) وقسمها الغربي يقع غرب خيبر ممتدًا من شمال المدينة حتى قرب وادي القرى يعرف قديمًا باسم(حرة ليلى). 



أما صلة اليهود (بني إسرائيل) بمنطقة خيبر فهناك اختلاف في الوقت الذي اتصل فيه العنصر الدخيل بخيبر بعضهم يقول أن الوجود اليهودي في خيبر يعود إلى التاريخ الذي استوطن فيه اليهود منطقة يثرب، بعد وفاة نبي الله موسى عليه السلام على أثر عودة الحملة العسكرية التي أرسلها قبيل موته لإخضاع وإبادة جبابرة العمالقة الذين يقطنون يثرب والمناطق الشمالية والشرقية والغربية من الحجاز، بما في ذلك خيبر، وعادت الحملة بعد أن أبادت جميع العمالقة.

ويقول بعض المؤرخين إن رجال هذه الحملة لما منعهم خلفاء النبي موسى علية السلام من دخول الشام عادوا إلى الحجاز واستوطنوا يثرب وأن يهود خيبر هم من بقايا هذه الحملة التي استوطنت يثرب وخيبر يعود تاريخها إلى حوالي سنة 1200 قبل الميلاد.

لكن مؤرخين آخرين يقولون إن الوجود اليهودي في خيبر لم يكن إلا بعد الميلاد بحوالي ثمانين سنة.


وذكر الإمام الطبري أن أول قدوم لليهود إلى الحجاز إنما كان بعد أن وطئ بختنصر الشام وخرب بيت المقدس.

وبعض المؤرخين يذكرون أن يهود خيبر ليسوا من بني إسرائيل وإنما هم من أبناء العرب الذين دانوا باليهودية، والدليل أن مرحب وعائلته وهو فارس خيبر المشهور الذي قتلة علي بن أبي طالب من قبيلة حمير من اليمن.

وهناك رأي آخر أن صلة بني إسرائيل بخيبر ويثرب كانت في عهد نبي الله داوود عليه السلام (أي بعد موسى وقبل المسيح) وأن نبي الله داوود غزا العمالقة في المدينة، فسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا عن آخره.

وهناك رأي آخر يقول إن سبب نزولهم إلى خيبر والحجاز أن بعض علمائهم كانوا يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراه، وأنه يهاجر إلى بلد نخل بين حرتين، فأقبلوا من الشام يبحثون عن الصفة، فلما رأوا تيماء وفيها النخل نزلت طائفة منهم وظنوا أنها خيبر، ومضى أشرافهم وأكثرهم إلى يثرب فاستوطنوها.


بعد أن أجلى النبي صلى الله عليه وسلم، يهود بني النضير من المدينة، بسبب نقضهم العهد مع المسليمن، خرجوا يتقدمهم حيي بن أخطب إلى "خيبر"، التي كانت تجمعًا لليهود، بها كل حصونهم، وكانت قوة عسكرية واقتصادية تشكل تهديدًا المدينة، فمنها خرج وفد من اليهود لتحريض القبائل العربية على قتال المسلمين في غزوة الخندق، وهم الذين شجعوا بني قريظة على خيانة العهد.

تحرك النبي نحوها بعد شهر واحد من صلح الحديبية مع قريش، وذلك في شهر المحرم من السنة 7 هجرية، أي بعد عامين من الغزوة، فلم يكن يريد أن يفتح على نفسه عدة جبهات في نفس الوقت، فلما عقد صلح الحديبية وأمن قريش، تفرغ ليهود خيبر. وكان عدد الجيش 1400 مقاتل و200 فرس، وذلك للمرة الأولى.

أرسل النبي في المقدمة، سرية استكشاف بقيادة عباد بن بشر فوجدوا أعرابيًا في طريقهم، فقال له: من أنت قال: باغ أبتغي إبلاً ضلت لي أنا على أثرها فقال له عباد: ألك علم بخيبر؟ قال: عهدي بها حديث فبم تسألني عنها، قال عباد: عن يهود، قال: نعم في خيبر 10 آلاف مقاتل معهم سلاح وطعام لو حوصروا سنتين لكفاهم، وماء دائم يشربون في حصونهم ما أرى أن أحدًا له بهم طاقة، فرفع عباد بن بشر السوط فضربه ضربه وقال: ما أنت إلا عين لهم، اصدقني وإلا ضربت عنقك، فقال الأعرابي: أفتؤمنني على أن أصدقك قال: نعم، قال الأعرابي: القوم مرعبون منكم. 

اشتد الجوع في الطريق بالمسلمين، يقول عبدالله بن مغفل المزني: أصبت حرابًا من شحم يوم خيبر، فقلت لا أعطي أحدًا منه شيئًا، فالتفت فإذا النبي ينظر إلي، يبتسم ابتسامة الغاضب فاستحييت منه. 
مع شدة الموقف وقلة الطعام، إذا بالنبي يقول أثناء السير لعامر بن الأكوع: انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك (أشعارك)، فأنشد: 
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا 
فأنزلنا سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا 
إن الطغاة بغوا علينا .. إذا أرادوا فتنة أبينا 

فسر به النبي وظل يرد خلفه: أبينا.. أبينا.. أبينا، حتى تمايلت الإبل.
ولما وصل الجيش، قال النبي للجيش السائر توقفوا ودعا دعاء دخول القرية: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضِينِ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا".

وصل النبي ليلاً، فبات المسلمون الليلة الأخيرة على أبواب الحصون، وكان النبي إذا أتى قومًا ليلاً لم يقربهم حتى يصبح كي لا يروع النساء والأطفال، حاصروا الحصون 15 يومًا بلا نتيجة. 

وفي اليوم الثالث عشر، أصاب النبي الشقيقة (صداع نصفي يأخذ نصف الرأس والوجه) من أثر ضربة ابن قمنة في غزوة "أحد"، فكان يمكث اليوم واليومين لا يخرج من شدة الصداع .

فأرسل إلى أبي بكر ليأخذ الراية منه، ثم نهض، فقاتل قتالاً شديدًا ثم رجع وجهد ولم يفتح، في اليوم التالي، أرسل إلى عمر، فأخذ راية الرسول ثم نهض فقاتل قتالاً أشد من الأول ثم رجع وجهد ولم يفتح. ويقال إن الغلبة كانت لليهود في اليومين.

 في اليوم الخامس عشر، قال النبي لأعطين الراية غدًا رجلاً يفتح الله خيبر على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، وبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يأخذها، فلما أصبحوا عرضوا أنفسهم على رسول الله كلهم يرجون أن يُعطاها.

قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومها، وقال بريدة: فما منا من رجل يرى أن له منزله عند النبي إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل حتى تطاولت أنا لها.. 


فقال النبي بعد صلاة الصبح: أين اللواء؟، قال سلمة: فجئت به أقوده والناس تنظر فأخذه النبي، فوعظ الناس ثم قال: أين علي، قالوا: يشتكي عينه، أصابها رمد شديد فما كان يبصر فقال: أرسلوا إليه، سـأله: ما بك؟، قال: رمدت عيني حتى لا أبصر تحت قدمي، فقال ادن مني: فوضع رأسه في حجره ثم تفل بدون ريق في بطن يده، فدلك بها عيني فبرأت كأن لن يكن بي وجع فما أدري أيهما كانت المصابة فما رمدت بعدها أبدًا.

ثم أعطاه اللواء، وقال: اذهب فقاتلهم حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت فمضى علي، ثم تذكر علام يقاتل، فعاد فقال: علام أقاتل الناس أحتى يكونوا مثلنا.. فقال: ادعهم إلى الله فوالله لئن يهدي الله بك رجل واحد خير لك من حمر النعم. 

فخرج علي يهرول حتى ركز الراية تحت الحصن، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟، قال: علي، فقال اليهودي: غلبتهم والذي أنزل التوراة على موسى، فمكتوبة لديهم في التوراة أن فاتح خيبر اسمه علي. 

فتح أول حصن اسمه "الناعم"، لكن باقي حصون خيبر كثيرة، والمعركة طالت، لم يجدوا في الحصن أي شيء إلا زجاجات معتقه من الخمر، فشرب أحدهم، فأراد عمران أن يشتمه، فقال النبي: لا يا عمر إنه يحب الله ورسوله. 

في ظل الجوع الشديد، قال أبو اليسر كعب بن عمرو: والله إن لكنت مع رسول الله بخيبر ذات عشيه إذا أقبلت غنم رجل من يهود تريد الحصون، ونحن محاصروهم، فقال الرسول: من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟، قال أبواليسر: فقلت: أنا يا رسول الله ؛ قال : فافعل ؛ قال : فخرجت أشتد مثل الظليم ، فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم موليًا قال: اللهم أمتعنا به  (اللهم أحيه عمرًا طويلاً).

قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن، فأخذت شاتين من أخراها، فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت بهما أشتد، كأنه ليس معي شيء، حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذبحوهما فأكلوهما.

جاء عبد أسود حبشي من أهل خيبر، كان في غنم لسيده، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح، سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، فوقع في نفسه ذكر النبي، فأقبل بغنمه إلى رسول الله فقال: ماذا تقول؟ وما تدعو إليه؟ قال: "أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وألا تعبد إلا الله"، قال العبد: فما لي إن شهدت وآمنت بالله عز وجل، قال: "لك الجنة إن مت على ذلك". 

فأسلم ثم قال: يا نبي الله، إن هذه الغنم عندي أمانة، فقال رسول الله: "أخرجها من عندك وارمها بـ (الحصباء) فإن الله سيؤدي عنك أمانتك"، ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها، فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسول الله في الناس، فوعظهم وحضهم على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهود قتل فيمن قتل العبد الأسود واحتمله المسلمون إلى معسكرهم فأدخل في الفسطاط فزعموا أن رسول الله اطلع في الفسطاط، ثم أقبل على أصحابه، وقال: "لقد أكرم الله هذا العبد، وساقه إلى خيبر، ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين، ولم يصل لله سجدة قط".

اشتد الجوع بالمسلمين، فقالوا للنبي: إنا جهدنا من الجوع والضعف فادع الله لنا، فقال النبي: اللهم إنك قد عرفت حالهم وإن ليست بهم قوة وإن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونهم غنمًا وأكثرها طعامًا ففتح الله حصن الصعب بن معاذ.

حصن الزبير العوام ( الذي صار في سهمه فيما بعد فسمي باسمه)، هو حصن منيع لا تقدر عليه خيل أو رجال لصعوبته وامتناعه، حاصرهم فيه النبي 3 أيام بلا فائدة، فجاء يهودي يدعى غزّال فقال: يا أبا القاسم تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من هذا الحصن.

فأمنه رسول الله، فقال اليهودي إنك لو أقمت شهرًا ما اهتموا، لهم قنوات وجداول تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم، فإن قطعت عنهم شربهم انهزموا، فسار الرسول إلى الجداول فقطعها، فلما قطعها خرجوا وقاتلوا أشد القتال وافتتحه النبي. بلغ إجمالي قتلى المسلمين 16، وإجمالي قتلى اليهود 16 

تم الاتفاق على شروط الصلح: أن يحقن النبي دماء من في الحصون من المقاتلة ونساء وأطفال، أن يخرجوا من خيبر وأرضها.

فلما أراد الرسول أن يجلي اليهود من خيبر، قالوا: يا محمد دعنا نكون فيها في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم ولم يكن للرسول مزارعون يقومون عليها، فوافق على أن يكون لهم النصف من ثمارها، وعلى أن يخرجهم وقتما شاء. 

اضافة تعليق