دستور المدينة الذي وضعه النبي.. لماذا يعد أعظم الدساتير؟

الأربعاء، 25 يوليه 2018 09:56 ص
دستور المدينة الذي وضعه النبي


 
كتب النبي صلى الله عليه وسلم، دستور المدينة أو صحیفة المدینة، وهو يعتبر أول دستور مدني في التاريخ، وقد أطنب فيه المؤرخون و المستشرقون على مدار التاريخ الإسلامي، واعتبره الكثيرون مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، ومَعلَمًا من معالم مجدها السياسي والإنساني. 

 
وهدف دستور المدينة إلى تنظيم العلاقة بين جميع طوائف وجماعات المدينة، وعلى رأسها المهاجرين و الأنصار والفصائل اليهودية وغيرهم، يتصدى بمقتضاه المسلمون و اليهود وجميع الفصائل لأي عدوان خارجي على المدينة. وبإبرام هذا الدستور –وإقرار جميع الفصائل بما فيه- صارت المدينة المنورة دولة وفاقية رئيسها الرسول-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وصارت المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل.

 
حتى أن مفكرين وكتاب غربيين اعترفوا بأن دستور المدينة هو وثيقة غيرت وجه التاريخ، من تحقيق مدنية الدولة وتنظيم أمور الحياة في المدينة، وعلى رأسها إدارة العلاقة بين جميع طوائف وجماعات المدينة من مهاجرين وأنصار وفصائل يهودية، حتى أكدوا أن النظام الإسلامي سبق جميع الأنظمة في إعلاء قيم التسامح والتكافل والحرية ونصرة المظلوم، وغيرها من القيم الحضارية.

 
ويحوي هذا الدستور أكثر من خمسين بندًا، خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين والباقي يتعلق بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى.

 
وبإبرامه وإقرار جميع الفصائل بما فيه صارت المدينة دولة وفاقية رئيسها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصارت المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل.

 
وحقق دستور المدينة التكافل الإجتماعي بين كافة طوائف الشعب وفصائله وتجلى ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم "المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وبنو ساعِدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وبنو جُشَم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى،  بنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وبنو الأوسِ على ربعتهم يتعاقلون معاقِلهُم الأولى، وكلّ طائفةٍ منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإِنّ المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل".
 

ويضمن دستور المدينة أيضًا ردع الخائنين للعهود حيث أكد صلى الله عليه وسلم على المؤمنين ضرورة التصدي لكل من بغى منهم أو ابتغى دسيسة أو ظلما أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين ولو كان ولد أحدهم، كما يضمن احترام أمان المسلم وحق المسلم على المسلم  فلأي مسلم الحق في منح الأمان لأي إنسان، ومن ثم يجب على جميع أفراد الدولة أن تحترم هذا الأمان، وأن تجير من أجار المسلمُ، ولو كان المجير أحقرهم.

وعمل دستور المدينة على حماية أهل الذمة والأقليات غير المسلمة وجاء في هذا الأصل "وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم".

 
يقول المستشرق الروماني جيورجيو: «حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندا، كلها من رأي رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء. وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أى عام 623م. ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده.»

فيما يقول الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء بالازهر الشريف، "لو أن باحثا في الفقه الإسلامي بحث عن أقدم دستور بقي لنا بنص مواده في تراث الدساتير الإنسانية، فإن هذا الباحث لن يجد دستوراً سابقاً على دستور دولة النبوة، التي قامت بالمدينة المنورة (عام 1 هـ ، 622م)".

ويضيف "قد يجد قوانين ترجع إلى عهد حمورابي (1792 - 1750 ق. م) لكنه لن يجد دستوراً كاملاً أقدم ولا أعرق من دستور دولة المدينة، التي رأسها نبي الإسلام، عليه الصلاة والسلام".

ولقد أطلقت المصادر التاريخية على هذا الدستور اسم "الصحيفة" و"الكتاب" وذلك انطلاقا من التسمية الواردة في نصه، فهو "كتاب من محمد النبي، رسول الله، بين المؤمنين والمسلمين، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، وبين غيرهم من أهل يثرب - (المينة) - الذين دخلوا في رعية الدولة الجديدة دون أن يدخلوا في الإسلام الدين وفي جماعة المؤمنين، كما أطلق على هذا الدستور - في مواده - عبارة "أهل هذه الصحيفة" على الرعية المحكومين بهذا الدستور.


ويوضح عمارة أنه بالرغم من أن مصادر التاريخ لا تذكر لنا كيف "وضع وصيغ" هذا الدستور، فإننا - بحكم القاعدة الإسلامية الشرعية - نميل إلى أن وضعه وصياغته هي ثمرة لمشاروة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لوجوه الرعية، الذين يسمون فيه "أهل هذه الصحيفة"، فهو نص ينظم شئون الدولة ويقنن العلاقة الدنيوية بين رعيتها بالدرجة الأولى، ومن ثم فإن موضوعه هو مما تجب فيه الشورى الإسلامية، وفق منطوق ومفهوم القرآن الكريم.

ولقد صيغ هذا الدستور لينظم القواعد الأساسية لدولة المدينة ورعيتها، بعد أن نزل الوحي بقسم كبير من القرآن الكريم، فكان ذلك دليلا على أن "القرآن" بالنسبة لدستور الدولة، هو الإطار، فيه "المبادئ" وبه "الروح" والمقاصد والضوابط والغايات، وليس هو نص الدستور وذات مواده وعين قوانينه، فوجود القرآن الكريم لا يغني - في نظام الدولة - عن الدستور الذي يضبط القواعد وينظم الحقوق ويحكم العلاقات ويصوغ جميع ذلك صياغة دستورية محكمة الدلالة بينة الحدود.

وإذا كانت الدولة التي صيغ هذا الدستور مع تأسيسها قد قامت عام 1 هـ، 622 م، فإن حقيقة وجود دستور مكتوب لهذه الدولة، هي سنة من سنن السياسة الشرعية الإسلامية، لا تدعو إلى الفخار فحسب، وإنما تدعو - قبل ذلك وفوقه - إلى العض عليها بالنواجذ، كي لا تغيب هذه السنة من قسمات "الدولة" ومقوماتها في دنيا الإسلام، وواقع السياسية الشرعية عند المسلمين، فغيابها - شكلا أو فعلا - عار لا يليق بخلف عرف أسلافهم هذه السنة الحسنة قبل أربعة عشر قرنا، فضلا عن أن غيابها إنما يفتح الباب لضياع الحقوق والمصالح التي جاءت لتحقيقها رسالة الإسلام.

اضافة تعليق