مكة المكرمة.. دعوة إبراهيم.. المعجزة الباقية ليوم الدين

الثلاثاء، 24 يوليه 2018 12:25 م
23_7


لما أمر الله تعالى سيدنا إبراهيم بأن يأخذ زوجه هاجر، وابنه إسماعيل، الذي كان لا يزال رضيعًا إلى مكة، وكانت يومئذ لا يسكنها أحد، فلم يكن يقيم فيها بشر، وكانت مكانًا أجدب لا يقصده الناس، حيث لا بُنيان ولا عمران ولا ماء ولا كلأ.


ووسط كل هذه الظروف الصعبة، تركهما هناك ولم يترك لهما كيسًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، لكنه مأمور من الله، وهو يعلم علم اليقين أن الله لن يضيع زوجه وابنهما الرضيع.

تركهما إبراهيم عند دَوْحة ـ وهي الشجرة الكبيرة ـ فوق زمزم في أعلى المسجد، فلما تحرك عائدًا إلى فلسطين لحقته هاجر وهي تقول له: يا إبراهيم أين تتركنا في هذا المكان الذي ليس فيه سمير ولا أنيس؟ وجعلت تقول له ذلك مِرارًا، فقالت له: ءالله أَمَرك بهذا؟ قال: نعم، عندئذ هدأ خوفها وذهب روعها، ثقة ويقينًا بالله جل في علاه. 

لكن إبراهيم وهو الذي يطيع الله في أمر زوجه وولده، بداخله عاطفة الأب، الذي ترك ولده الرضيع، وهو الذي لم يفرح به بعد، بعد أن من الله عليه به في سن كبيرة، فضلاً عن زوجته، فلما ابتعد عنهما قليلاً التفت جهة البيت الحرام ووقف يدعو الله تبارك وتعالى ويقول: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ".

لكن سرعان ما نفد الماء والطعام الذي كان معها، ومن أين لها بذلك في هذا المكان، فأخذت تروح وتجيء مع رضيعها لعلها تجد ما يسد جوعه، بكاء الطفل لم ينقطع، وسعيها لم يتوقف، فأخذت تجري يمنيًا ويسارًا في محاولة لإيجاد أي شيء.

صعدت إلى "الصفا"، وكان أقرب جبل في الأرض يليها، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أَحدًا يغيثها هي وطفلها الرضيع، فبكاؤه المستمر يكاد يمزق قلبها، وهي لا تعرف ما الذي ستفعله، لم تتوقف عن السعي، هبطت حتى بلغت الوادي، تسارع الخطى، فهي لم تفقد الأمل أبدًا، لكنها تعلم أنها مأمورة بالسعي حتى تحصل على رزقها هي وطفلها.

حتى وصلت إلى جبل "المروة"، فصعدت عليه ونظرت فلم تجد أحدًا، فأخذت تذهب وتجىء بين الصفا والمروة سبع مرات، فلما أشرفت على المَرْوة سمعت صوتًا، قالت: أغثنا إن كان عندك غواث؟ فرأت مَلَكًا وهو جبريل عليه السلام يضرب بقدمه الأرض حتى ظهر الماء السلسبيل العذب وهو ماء زمزم.

فأخذت هاجر تغرف منه بسقائها وهو يفور، وجبريل يقول لها: لا تخافي الضياع فإن لله ههنا بَيتًا، وأشار إلى أكمة مُرتفعة من الأرض يبنيه هذا الغلام وأبوه. 

روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم" أو قال: "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا".

فلما شربت وارتوى ظمأها، رأت الطيور التي كانت تحلق في سماء مكة، أن عينًا من الماء تفجرت، فهبطت هي الأخرى لترتوي، وكان ذلك دالاً بداية الحياة، فالماء هو أصل الحياة، "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ"، رأت قبيلة "جرهم" الطيور تحوم حول المكان، فقصدته سبيلاً، فاستأذنت من "هاجر" أن تضرب الخيام لتقيم إلى جوارها، فأذنت لهم واستأنست بوجودهم حولها، ثم أخذ العُمران يتكاثر ببركة هذا الماء المبارك الذي فجره الله في ذلك المكان من هذه البقعة المباركة الطيبة.

انظر كيف كان الحال وقتها في مكة، وانظر إلى ما انتهت إليه الآن بعد آلاف السنين، كانت مكانًا غير صالح للحياة، فأصبحت الآن مقصد أفئدة المسلمين في كل أرجاء الأرض، يفد إليها الملايين قاصدين أداء مناسك الحج والعمرة، في حركة لا تهدأ، آناء الليل وأطراف النهار.

إنها معجزة مادية، ستظل باقية ما بقيت الأرض بأمر ربها، جاءت استجابة لدعوة أبينا إبراهيم، وكأن الله تعالى يكافئه على فعله، وعلى صبره واحتسابه، فانت قد تركت زوجتك وابنك بأمر مني، ولم تتلكأ للحظة، كنت واثقًا بي، وكذلك زوجتك، ولم أخيب ثقتكما هذه، فصارت الأرض الموحشة، عامرة بالحياة لا تهدأ فيها الحركة، وتمتلئ بالبشر من كل الأجناس. 

إنها دعوة إبراهيم الذي صدق الله فصدقه، لم يأخذ بالأسباب المادية في تنفيذ أمر الوحي الإلهي، وإلا لما كان قد ترك زوجه وابنها، لكنه يعلم علمًا يقينًا، أن هناك ما هو أقوى من كل الأسباب، إنها إرادة الله تعالى الذي يقول للشيء: كن فيكون، وهذا دأب كل عباد الله المؤمنين، أن يكون لديهم اليقين والرضا بقضاء الله فيهم، وهو لن يضيعهم أبدًا.

ومما يستفاد منه، أن "هاجر" لم تتوقف عن السعي والحركة، وكأنها تعلمنا درسًا عظيمًا من مسلكها هذا الذي أصبح منسكًا من مناسك الحج والعمرة، ألا نتوقف عن الحركة، وألا ينقطع بنا الرجاء أبدًا في عفو الله ومغفرته، نتحرك بدون كلل أو ملل، والله كفيلنا، لن يتركنا إلا وقد طيب خاطرنا، وأرضانا بتوفيقه، فما علينا إلا أن نتحرك وعلى الله قصد السبيل.

اضافة تعليق