الإسلام محرر العبيد.. كيف حاصر الرق وعظم قيمة الحرية

الثلاثاء، 24 يوليه 2018 09:58 ص
الإسلام محرر العبيد

جاء الإسلام في زمن كان فيه الرق والعبودية أمرًا سائدًا وقتها بين القبائل العربية، بل إنه هذا الأمر كان منتشرًا خارجها ومتعارف عليه بين كل شعوب الأرض، فكان الإسلام سببًا في تحرير العبيد وإنصافهم وكفل لهم حقوقهم الإنسانية، وساوى بينهم وبين غيرهم في كل شيء، دون انتقاص، إذ أن المعيار التقوى.

ومن المفارقة أن يكون مولد النبي صلى الله عليه وسلم، سببًا في عتق رقبى "ثويبة" جارية أبي لهب عندم قدمت إلى سيدها تبشره بمولد ابن أخيه "محمد" صلى الله عليه وسلم، فقام بعتقها فرحًا وسرورًا ببشرى مولده.

وقد أرضعته فترة قبل أن يرحل إلى بني سعد وتتولى السيدة حليمة السعدية إرضاعه، وكانت السيدة خديجة رضي الله عنها ترسل الطعام والشراب إلى مرضعة زوجها إكرامًا لها. 

كما كانت "أم أيمن" وهي حاضنة ومربية النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورثها عن أمه، ثم أعتقها، فبقيت ملازمة له طيلة حياتها، وكانت تحتد عليه، بما لها عليه من حق لحضانتها اياه من قبل، فما كان يزيد على الابتسام، وثبت أنه قال: "من سرّه أن يتزوّج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن، فتزوجها زيد بن حارثة، وولدت له أسامة بن زيد حبيب الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد استفاد العبيد من تسامح الإسلام، وتحسنت أحوالهم كثيرًا، وحصل الكثير منهم على حريتهم، حيث كان الإسلام يشجع على عتق الرقاب وتحرير العبيد والإماء، وجعل العتق من أعظم القُرَب التي رغب فيها؛ لما فيه من تخليص الآدمي من ذل الرق، وتمكينه من التصرف في نفسه وماله كيف شاء.

قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ"، دعوة من الله لأصحاب الرقيق أن يكاتبوا أرقاءهم إذا طلبوا حريتهم، والمكاتبة هي أن يبرم السيد مع العبد عقدًا ويتفق معه على أنه يدفع كل شهر أو كل سنة مقدارًا من النقود، حتى إذا دفع آخر قسط فإنه يعتق بذلك. 

وهناك رأي لجماعة من الفقهاء بأن الكتابة واجبة على السيد إذا علم خيرًا في عبده، وقد وكلـه اللـه في ذلك إلى علمه ودينه، واختاره الطبري وهو الراجح؛ لأنه يجمع بين مقصد الشريعة وبين حفظ حق السادة في أموالـهم، فإذا عرض العبد اشتراء نفسه من سيده وجب عليه إجابته. وقد هم عمر بن الخطاب أن يضرب أنس بن مالك بالدرّة لما سألـه سيرين عبده أن يكاتبه فأبى.

والإسلام جعل عتق الرقاب من ذل الرق من أعظم القُرَب المستحبة، قال تعالى: "فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ"، وجعل من وسائل تحرير العبيد فرض نصيب الزكاة لتحرير العبيد وكفارات القتل الخطأ والظهار والأيمان والفطر في رمضان.

قال تعالى في سورة النساء: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً".

وقال أيضًا في سورة المائدة: "لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ"، وقال في سورة القصص: "وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ".

كان الإسلام يحاصر ظاهرة الرق التي كانت منتشرة وقتها، فلا يجوز استرقاق الإنسان بسرقته أو وقوعه أسيرًا في الحرب، وبالتالي لا يبقى سوى الرقيق الموجود من الفترات السابقة، وهذا بمرور الزمن سوف يحرر بالمكاتبة والعتق.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل أعتق امرًأ مسلمًا، استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار". وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها وأعتقها وتزوجها فله أجران، وأيما عبد أدى حق الله وحق مواليه فله أجران".

يقول الإمام ابن القيم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم أعتق ريحانة بنت زيد وتزوجها ثم طلقها تطليقة، كما أعتق أبا رافع، وأسلم، وثوبان، وأبو كبشة سليم، وشقران واسمه صالح، ورباح، ويسار، ومدعم، وكركرة وهم من النوبيين. 

كما أعتق سفينة بن فروخ واسمه مهران، وأنجشة الحادي، وأعتق أنيسة وكنيته أبو مشروح، وأفلح، وعبيدة، وطهمان قيل إن اسمه كيسان، وذكوان، ومهران، ومروان، وكذلك حنين، وسندر، وفضالة، ومأبور، وأبو واقد، وواقد، وقسام، وأبو عسيب، وأبو مويهبة، كذلك أعتق النبي سلمى أم رافع، وميمونة بنت سعد، وخضيرة، ورضوى، وريشة، وأم ضمير، وميمونة بنت عسيب.

وأعتقت السيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عشرات من العبيد والجواري قبل وبعد الإسلام، كما أعتقت السيدة أم سلمة عشرات العبيد رضي الله عنها، والثابت من حديث البخاري عن جويرية أنه عليه السلام:" لم يترك عند وفاته درهمًا ولا دينًارا ولا عبدًا ولا جارية". 

وقصة الصحابي الجليل زيد بن حارثة هي أكبر دليل على تسامح الإسلام ونبيه ومحاربته للرق بكل أشكاله، فلقد تعرض في صغره للخطف، ثم باعه القراصنة في سوق "عكاظ" بمكة قبل الإسلام، واشتراه حكيم بن حزام ثم وهبه لعمته السيدة خديجة رضي الله عن الجميع، ثم وهبته بدورها للنبي فأعتقه. 

وشاء القدر أن يستدل والد "زيد" وعمه على مكانه بمكة، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعرضا عليه ما يشاء من المال مقابل اعادة ولدهما إليهما، لكن رفض المال، وعرض عليهما أن يتم تخيير زيد بين البقاء عند النبي أو العودة مع أبيه وعمه إلى موطنه الأصلي، فإن رغب في الرحيل مع أبيه وعمه فهو لهما بلا أي مقابل، وإن اختار البقاء مع النبي فله ذلك، وفوجئ برفضه العودة معهما إلى بلده وأمواله الطائلة وقبيلته الكبيرة، ويؤثر البقاء مع التبي لما رأى من نبله وكرمه وحنانه الذي يفوق حنان أبويه، ليعلن على الملأ أن زيدا ابنه يرث كلاهما الآخر، وكان هذا قبل الإسلام وقبل تحريم التبني.
وزوّجه حاضنته "أم أيمن" التي كان قد أعتقها بدورها، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم – بعد الإسلام – ابنة عمته الحسيبة النسيبة زينب بنت جحش لمولاه زيد بن حارثة، لكن قومها وكانوا زالوا حديثى عهد بالجاهلية وفخرها بالأحساب والأنساب، كانوا معترضين على تلك الزيجة، فأنزل الله تعالى آية خالدة: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا" الأحزاب: 36. 

قال جمهور المفسرين – فيما يرويه ابن كثير والقرطبى والطبرى وغيرهم – أن هذه الآية نزلت بسبب رفض زينب وقومها تزويجها من زيد بن حارثة، فلما نزلت قالت زينب رضي الله عنها: "إذًا لا أعصي الله ورسوله قد أنكحته نفسي" وقال أخوها عبد الله بن جحش رضي الله عنه: "يا رسول الله مُرْنِي بما شئت"، فتزوج زيد زينب، ثم نزل بعد ذلك تحريم التبني، فاسترد زيد اسمه الأول "زيد بن حارثة" بعد أن كان يُدعى قبل ذلك زيد بن محمد. 

وكان وولده أسامة أحب الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ابنته فاطمة رضي الله عنها، وكان يقال لأسامة الحِبْ ابن الحِبْ – المحبوب بن المحبوب – لمنزلتهما السامية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان زيد هو الصحابي الوحيد الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم بالاسم صراحة في آية خالدة تتلى إلى يوم القيامة "فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها ..". 
كانت الحرب، هي المورد المتجدد الذي يرفد مجتمعات الرق باستمرار بالرقيق من الرجال والنساء والأطفال، فجاء الإسلام ليقضي على ذلك من خلال حصر مصير الأسرى بالفداء أو إطلاق السراح، قال تعالى: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا".

وكان السائد يومئذ أن الأسري لا حرمة لهم ولا حق وهم بين أمرين: إما القتل وإما الرق، لكن الإسلام حث على طريق ثالث من حسن معاملة الأسير وفك أسره، قال تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا".

وفي معركة بدر التي انتصر فيها المسلمون ووقع فيها أسرى من كبراء العرب ومع ذلك لم يقم باسترقاقهم، وقبل أن يتم تحريرهم مقابل تعليم عدد من المسلمين القراءة والكتابة، وعند فتح مكة لم يعاملهم النبي معاملة المنتصر، ولم يستبح حرياتهم بل قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

وفي غزوة بني المصطلق تزوج النبي أسيرة من الحي المغلوب (السيدة جويرية بنت الحارث) ليرفع مكانتها، حيث إنها ابنة أحد زعمائه فما كان من المسلمين إلا أن أطلقوا سراح جميع هؤلاء الأسرى.

هكذا واجه الإسلام الرق والعبودية وأجزل الثواب للمسلمين الذين يقومون بتحرير الرقاب، كل هذا من قيمة الحرية، وتعظيمه لقيمة الفرد، فما أروعه من دين، وما أكرمها من أخلاق. 

اضافة تعليق