عصمة الأنبياء.. لطف الله بخير عباده

الأحد، 22 يوليه 2018 11:08 م
الأنبياء

أنبياء الله ورسلُه هم الصفوةُ الممتازة، الذين اجتباهم الله من بين البشر، واختصَّهم بصفات الكمال الخِلْقية والخُلُقية، وجعَلهم السفراء الأمناء في حمل الشرع وتبليغِه إلى الناس.

وإذا كانت وظيفةُ الرسول هي توصيلَ كلمةِ الله إلى الناس وإرشادهم بالقول والفعل والإقرار، إلى ما فيه من النفع في الدنيا والآخرة، كان لزامًا أن يكون قدوةً حسنةً في كل ما يصدُرُ عنه، وألاَّ ينطِقَ إلا بكلمة السماء، ولن يكون كذلك إلا بالعصمة الباطنية من الحقد والغِل والكبرياء والحسد والرياء والشح... إلخ، والعصمة الظاهرية من الذنوب؛ مثل الشرك، والكذب، والقتل، وشرب الخمر، والزنا... إلخ.

بعض الآيات التي يُشعِر ظاهرها ما يخالف عصمة الأنبياء:
وقد وردت آيات في القرآن الكريم يُشعِر ظاهرُها أن الأنبياء قد وقَعوا في بعض الذنوب، فلنتأمل فيها لنقف على حقيقة الأمر!

أولاً: ورد في حق آدم عليه السلام أنه أُمِر بعدم الأكل من شجرة معينة، إلا أنه بعد وسوسة الشيطان خالف الأمر، وبذلك صار عاصيًا، ورجع إلى الله بالتوبة، فقبِِلها منه، وهذا يؤكد وقوعَه في ذنب، والذنوب تخالف العصمة.

يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 35 - 37].

ويقول سبحانه: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: 121].

ويُرَدُّ على هذا: بأن ما حدث من آدم لا يخالف العصمة؛ لأنه كان قبل النبوة؛ حيث لم تكن له أُمَّة بعدُ، ولم يكن في أمر تشريعي، ومثل هذا يعتبر صغيرة، ولقد سماه الله سبحانًا عصيانًا لِمَا سيكون من شأن عظيم لآدمَ فيما بعد، وما صدر عنه عليه السلام كان نتيجة للنسيان، والذي يؤكد هذا قولُه سبحانه: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [طه: 115]، ولقد غفر اللهُ له هذا الذنب الصغير، ثم جعله نبيًّا؛ يقول تعالى: ﴿ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [طه: 122].

ثانيًا: وردت آيات في حق إبراهيم عليه السلام، ربما فُهِم من ظاهرها تردُّده في الاعتقاد؛ حيث اعتقد ألوهية الكوكب، ثم رجع عنه إلى اعتقاد ألوهية القمر، فلما طلَعت الشمس ورآها أكبَرَ، اعتقد ألوهيتَها، وهذا التردد في الاعتقاد يفيد الشرك، والشرك من الكبائر التي أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء منها، ثم إنه تبَرَّأ بعد ذلك من كل هذه الأشياء، واعتقد ألوهية الواحد الأحد سبحانه؛ يقول عز وجل: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 76 - 79].

ويُرَدُّ على هذا: بأن إبراهيم عليه السلام يعتقدُ يقينًا بوجود الله، وبأنه سبحانه متَّصفٌ بكل كمال، ومنَزَّه عن أي نقص، إلا أن البيئة التي تُحِيط به تعبدُ الأصنام والكواكب، ولقد أراد عليه السلام أن يهديَهم إلى الله الحق، فتظاهر بالتسليمِ لهم بأن ما يعبدونه آلهةٌ، ثم أخذ يُبيِّن لهم بطلان اعتقادهم بالتدريج، فالإله لا يتغيَّر، وما يعبدونه يتغير، والإله لا يَغِيب وما يعبدونه يغيب، والإله ليس بحادثٍ وما يعبدون حادث.

وما قام به إبراهيمُ عليه السلام من التظاهر بالتسليمِ للخَصْم، ثم مناقشته لبيان بطلان اعتقاد هذا الخصم - لا يتنافَى مع العقل في عصرنا الحديث، وليس فيه أي شرك، بل هو توجيه عقلي للإيمان بالله، وبتفرده بالكمال المطلق، وتنَزُّهه عن الحوادث.

ثالثا: ورد أن إبراهيم عليه السلام أقسَم ليُحطِّمن الأصنام، وفعلاً حطَّمها إلا الصنم الكبير، فقد تركه بعد أن وضع على كتفه المِعْوَل، وحين أتى القوم هالَهم ما رأَوا، ثم سألوا إبراهيم عن الذي حطَّم آلهتهم، فأجابهم بأن الذي حطَّمها هو كبير الأصنام، وطلب منهم أن يسألوه، وعلى هذا فقد وقع إبراهيمُ في الكذب؛ حيث قال ما ليس بحق، والكذب من الكبائر التي تتنافَى مع عصمة الأنبياء.

يقص القرآن هذا الحادث، فيقول: ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ [الأنبياء: 58 - 63].

ويُرَدُّ على هذا: بأنه عليه السلام لم يكذب؛ لأنه لم يقصد إسناد الفعل إلى الصنم حقيقةً، بل إلى نفسه، وإنما أراد الاستهزاءَ والسخرية بهم، والتعريض بضَعْف فِكرهم واعتقادهم، وإعلامهم بأن الأصنام لا تضرُّ ولا تنفع، ولا تملِك الدفاع عن نفسها، وكأنه عليه السلام أراد أن يقولَ لهم: إذا كان عندكم شكٌّ في أن الأصنام لا تملِكُ شيئًا، فارجعوا إليها واسأَلوها.

ولهذا يحكي القرآن عودتَهم إلى أنفسهم وإحساسهم؛ لتأكُّدهم أن الأصنام لا تنطق؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ [الأنبياء: 64، 65].

رابعا: ورد أن إبراهيم طلب من الله أن يُرِيَه كيف يُحْيِي الموتى، وهذا يُشعِر بشك إبراهيم في قدرة الله على الإحياء، وشك الأنبياء يتنافى مع عصمتهم؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260].

ويُرَدُّ على هذا: بأن إبراهيم يعلم علم اليقين أن الله قادرٌ على الإحياء، ولكنه يريد أن ينتقل من علم اليقين - أي المبنيِّ على الاستدلال - إلى عينِ اليقين أي المبنيِّ على المشاهدة.

اضافة تعليق