لا تدع التشاؤم يحبطك.. تعلم كيف تطرد الطاقة السلبية من داخلك؟

الأحد، 22 يوليه 2018 03:24 م
تشاؤم

قضى الإسلام على العادات الذميمة، وحارب الخرافات والبدع التي تتنافى مع الفطرة السوية، ومن تلك العادات التي استقبحها وذمها ونهى عنه، "التطير"، وهو التشاؤم، فقد كانت العرب في الجاهلية إذا أردت سفرًا نفرت أول طائر تلقاه، فإن طار يمنة سارت وتفاءلت وإن طار يسرة رجعت وتشاءمت.

وجاء الإسلام لينهى عن انتهاج هذا المسلك الذي يتنافى مع عقيدة التوحيد، ويحذر أتباعه من "التطير"، وذلك حتى يرسخ بداخلهم الإيمان بقدرة الله وحده في سائر شئون حياتهم ودنياهم.

في مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك"؟ قال: أن يقول أحدهم اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك".

يقول الشيخ العز بن عبدالسلام: "الفرق بين الطيرة والتطير أن التطير هو الظن السيئ الذي في القلب، والطيرة هو الفعل المرتب على الظن السيئ ولكن الله يذهبه من الإذهاب بالتوكل أي: بسبب الاعتماد عليه والاستناد إليه سبحانه".

وعن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الطيرة شرك الطيرة شرك ثلاثًا، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل".

فلا يجوز بحال للمسلم أن يتشاءم من أي أمر، لا طائر بعينه، ولا يوم بعينه، ولا رقم بعينه، ولا إنسانًا بعينه، مظنة أنه أمر "شؤم"، ولربما عدل عن قرار، أو انصرف عن أمر، تأثرًا بهذا الاعتقاد الوهمي، فلا شيء من ذلك صحيح بالمرة.

ومما يروى أن أحد الأنصار لزم المسجد متطيرًا من كثرة همومه وديونه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم وجهه إلى الوجهة الصحيحة، وأمره بأن ينصرف ليباشر شئون حياته بروح وعقل جديدين، لا يتأثر بأمر أهمه، ولا ينكسر لضر ألمه، وأزاح عن كاهله الطاقة السلبية التي كانت تسيطر عليه، فجعلته يركن إلى اليأس والإحباط، أمره أن يحسن التوكل على الله تعالى، وأن يأخذ بالأسباب وأن يترك النتائج عليه.

فعن أبي سعيد الخدري قال: قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال له: يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة؟، فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله فقال: ألا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى دينك؟، قال: قلت: بلى يا رسول الله قال: "قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن، والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني". 

وعن عروة بن عامر رضي الله عنه قال: "ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك". 

ليس الأمر قاصرًا على الفرد، بل على المجتمع ككل، فلا يجوز أن يبث أحد روح اليأس بين أفراده، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إشاعة روح التشاؤم في المجتمع بسب الدهر أو الإدعاء بأن الناس قد هلكوا وأن الخير قد انتهى من الناس.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسبّ الدّهر وأنا الدّهر أقلّب الليل والنهار"، وفي رواية: "لا تسبّوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر".

عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم".

فالإسلام يحارب كل ما هو سلبي في الحياة عمومًا، ويدعو إلى الإيجابية والتفاؤل، لإدراكه مكمن الخطر الذي قد يتسلل إلى نفس المسلم، فيحول الطاقة الكامنة بداخله إلى جبل من الأحزان والهموم يحمله فوق كتفه.

من أجل هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل على بث روح التفاؤل في نفوس صحابته رضوان الله عليهم حتى في أحلك الظروف وأشدها قسوة، فلم يدع الوهن واليأس يتسرب إلى نفوسهم، بل شحذ همتهم، وملأ قلوبهم يقينًا بالنصر.

عن خبَّابِ بن الأرتِّ قال: "شكَوْنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّدٌ بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو الله لنا، قال: "كان الرجلُ في من قبلكم يُحفَرُ له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيُوضَع على رأسِه، فيُشقُّ باثنتين، وما يصدُّه ذلك عن دينِه، ويُمشَط بأمشاطِ الحديد ما دون لحمِه من عَظْم أو عصَب، وما يصدُّه ذلك عن دينِه، والله ليُتمنَّ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ أو الذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجلون".

كان يبث الثقة والاطمئنان في نفوس أصحابه في لحظات الضيق، وفي أشد لحظات الخوف بداخلهم، كان مؤمنًا إيمانًا قويًا لا يتزحزح بأن الله ناصره، لكن عليه أن يأخذ بالأسباب، فربى صحابته على مواجهة المصاعب والمتاعب، حتى لا يستسلموا بسهولة، كانت قرش تطارده وصحبه أبا بكر، كانوا أقرب إليه مما يظن إنسان، حتى إنهم لو نظروا موضع أقدامهم لرأوهم، في لحظة خوف وفزع يقول أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.. لا تحزن إن الله معنا".

كانت روح التفاؤل تتلبس النبي صلى الله عليه وسلم طوال الوقت، وذلك نابع من إيمان بالله في الأساس، فقد نهى عن الطيرة، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا طيرة، وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم".

وقد عني الإسلام بغرس هذه الروح في المجتمع المسلم، فأمرنا صلى الله عليه وسلم بأن نلقى إخواننا بوجه طلق حتى نشيع في المجتمع روح التفاؤل والأمل، عن جابر بن عبد الله رضي الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرَّجل في أرض الضَّلال لك صدقة، وبصرك للرَّجل الرَّديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشَّوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة".

وكان النبي صلى الله عليه و سلم يغيّر الاسم القبيح إلى الاسم الحسن، فمن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب أن جده حزنا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن ابنة لعمر كانت يقال لها "عاصية" فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم "جميلة".

والفأل هو رجاء الخير، والأمل في حصول المراد عند سماع الكلمة الحسنة المناسبة، دون قصد الفأل، ولا اعتماد عليه، وهو يُستأنس به فقط، ويرجى به الخير.

وأصحاب الهمم العالية لا يتملكهم الشعور باليأس والإحباط، وتجدهم على الدوام متفائلين من داخلهم، لديهم حسن ظن ويقين بالله في كل أمر، وهذا مما يبعث على التفاؤل. 

والفأل الذي يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن يفعل أمرًا أو يعزم عليه متوكلاً على الله، فيسمع الكلمة التي تسره، مثل أن يسمع: يا نجيح، يا مفلح، يا سعيد، يا منصور، ونحو ذلك.

يقول الإمام ابن القيم: "ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية، التي تميل إلى ما يلائمها ويوافقها مما ينفعها.. والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم السلام، والفلاح والنجاح، والتهنئة والبشرى، والفوز والظفر، والغنم والربح، والطيب، ونيل الأمنية، والفرح، والغوث، والعز والغنى، وأمثالها، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب".

حتى في آخر لحظات العمر، والإنسان مقبل على الآخرة ولقاء الله عز وجل، كان أمره الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظات، أن يستبشر بلقاء الله، وبرحمته وبكرمه؛ فيقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن".

اضافة تعليق