"أبو الفقراء" ببنجلاديش.. هكذا صنع الفارق

السبت، 21 يوليه 2018 01:22 م
1419967725564870

 

في مدينة شيتاجونج، التي كانت تعتبر في ذلك الوقت مركزًا تجاريًا لمنطقة البنغال الشرقي في شمال شرق الهند، ولد محمد يونس في عام 1940 لأب كان يعمل صائغًا، وهو ما جعله يعيش في سعة من أمره، فدفع أبناءه دفعًا إلى بلوغ أعلى المستويات التعليمية.

غير أن الأثر الأكبر في حياته كانت أمه "صفية خاتون" التي ما كانت ترد سائلاً فقيرًا يقف ببابهم، والتي تعلّم منها أن الإنسان لا بد أن تكون له رسالة في الحياة.

في عام 1965، حصل على منحة من مؤسسة "فولبرايت" لدراسة الدكتوراه في جامعة "فاندربيلت" بولاية "تينيسي" الأمريكية، وأثناء دراسته هناك نشبت حرب تحرير بنجلاديش (باكستان الشرقية سابقًا) واستقلالها عن باكستان (أو باكستان الغربية في ذلك الوقت).

وعاد إلى بنجلاديش المستقلة حديثًا في عام 1972، ليصبح رئيسًا لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج، وكان سكان هذا البلد الآسيوي يعانون ظروفًا معيشية صعبة، والذي ضربته المجاعة في عام 1974 ما أدى إلى تفاقم معاناة الناس وتسببت في وفاة ما يقرب من مليون ونصف مليون شخص.
في ذلك الوقت، ضايقته حقيقة أنه يقوم بتدريس نظريات مجردة في حين يعاني الناس من الجوع خارج فصوله الدراسية، وهو ما ساعده على إدراك أن تعليمه للاقتصاد غير مكتمل، ما دفعه إلى الذهاب إلى القرى المحلية "للتعلم من الفقراء" حول ما يحتاجونه فعلاً، ومعرفة أشياء غير موجودة عنهم في الكتب الدراسية.

في عام 1976 وخلال زياراته للأسر الأكثر فقرًا في قرية "جوربا" بالقرب من جامعة شيتاجونج، اكتشف أن القروض الصغيرة جدًا يمكن أن تحدث فرقًا لهؤلاء الفقراء، حيث وجد مجموعة من النساء يصنعن من الخيزران أثاثًا يعتمدون على القروض الربوية لشراء الخيزران، ولهذا فإن حتى أرباحهم تذهب للمقرضين.

وعندما رأى الوضع يزداد سوءًا والناس يقترضون بالربا خطرت بباله فكرة لماذا لا يقوم بإقراض الفقراء من ماله الخاص، كان من الصعب أن يساعد كل الناس، فكر في البداية أن مساعدة شخص واحد قد تصنع فرقًا، ولذا بدأ الذهاب إلى تلك القرية، وبدأ في إقراض الناس، وأقرض 27 دولاراً من أمواله الخاصة إلى 42 امرأة في القرية.

لم تكن البنوك التقليدية تريد أن توفر قروض صغيرة بفائدة معقولة للفقراء بسبب ارتفاع المخاطر الافتراضية على البنوك، بينما هو كان يفضل أن تعطى مهلة أكبر للفقراء لسداد المال، وبالتالي أصر أن القروض الصغيرة قابلة للتطبيق في نموذج الأعمال، فذهب إلى البنك المركزي أو البنوك التجارية، لمحاولة إقناعها بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، وهو ما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلاً للإقراض، لكنه صمم على أن الفقراء جديرون بالاقتراض.

في ديسمبر عام 1976، أمن أخيرًا على قرض من الحكومة عن طريق بنك "جاناتا" لإقراض الفقراء في قرية "جوربا"، وواصلت المؤسسة العمل، وتأمين قروض من البنوك الأخرى لمشاريعها، حيث وصل عدد المقترضين 28 ألفًا بحلول عام 1982.

في 1أكتوبر 1983، بدأ المشروع التجريبي العملي لبنك متكامل لفقراء بنجلادش، وتمت تسميته بنك جرامين (بنك القرية)، لإقراض الفقراء بنظام القروض متناهية الصغر التي تساعدهم على القيام بأعمال بسيطة تدر عليهم دخلاً معقولاً.

وقدم قروضًا لملايين الفقراء حول العالم، في البدايات مني البنك بالخسارة، لكن هذا لم يتكرر أبدًا على مدار نحو 40 عامًا من إنشائه، إذ أن دخله يفوق كثيرًا التكاليف، وكل الأرباح التي يحققها تعود إلى المقترضين لأنهم هم الملاك والشركاء.

في أواخر الثمانينيات، بدأ "جرامين" في تنويع مشروعاته من خلال إحضار أحواض الصيد غير المستغلة ومضخات الري، مثل الآبار الأنبوبية العميقة، وفي عام 1989، تحول مشروع مصائد الأسماك إلى (مؤسسة جرامين لمصايد الأسماك)، وتحول مشروع الري إلى (مؤسسة جرامين الزراعية).

ومن ثم طور مبادرة "جرامين" إلى مجموعة متعددة الأوجه للمشاريع الربحية وغير الربحية، بما في ذلك المشاريع الكبرى مثل جرامين تراست وصندوق جرامين، فضلاً عن جرامين تليكوم التي تملك حصة في جرامينفون، وتعتبر أكبر شركة للهاتف الخاص في بنجلاديش.

حصل محمد يونس على جائزة نوبل للسلام سنة 2006، مناصفة مع بنك جرامين، لما بذلوه من جهود لخلق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقالت لجنة نوبل النرويجية خلال تكريمه: "وقد أظهر محمد يونس نفسه ليكون الزعيم الذي نجح في ترجمة الرؤى إلى إجراءات عملية لصالح الملايين من الناس، وليس فقط في بنجلاديش، ولكن أيضًا في العديد من البلدان الأخرى. قد تكون القروض للفقراء دون أي ضمان مالي تبدو فكرة مستحيلة. لكن منذ بدايات متواضعة قبل ثلاثة عقود، ومن خلال بنك جرامين قبل كل شيء، جعل محمد يونس من القروض الصغيرة أداة أكثر أهمية من أي وقت مضى في الكفاح ضد الفقر."

وأصبح بذلك أول بنغالي يحصل على جائزة نوبل. وبعد تلقي نبأ الجائزة الهامة، أعلن أنه سيستخدم جزءًا من نصيبه منها (مليون و400 ألف دولار) لإنشاء شركة لتقديم تكلفة منخفضة للمواد الغذائية للفقراء، في حين أن بقية الجائزة ستذهب لإقامة مستشفى العيون للفقراء في بنجلاديش.
وبحلول يوليو 2007، أقرض بنك "جرامين" 6.38 مليار دولار أمريكي لـ 7.4 مليون مقترض، ولضمان السداد، يستخدم البنك نظام "مجموعات التضامن" لدعم جهود بعضهم البعض في النهوض بالاقتصادي الذاتي.

وأمنيته بعد كل هذه السنوات من العمل لأجل الفقراء، هو أن لا يجد إنسانًا فقيرًا في العالم، فقد كانت نسبة الفقراء ببنجلاديش 90% من السكان، وقلت بمقدار 1% كل عام، لتصل إلى أقل من 25% ومن المخطط أن ينتهي الفقر في عام 2030.

اضافة تعليق