"مسجد الضرار".. كيف فضح القرآن المنافقين؟

الجمعة، 20 يوليه 2018 02:33 م
قصة مسجد الضرار

لم يترك المنافقون بابًا إلا وطرقوه نكاية في الإسلام، حتى أبواب الشريعة ودعاوى إقامة الشعائر، ومنها ما فضحته سورة "التوبة" بشأن قصد مسجد الضرار، الذي عناه الله - سبحانه بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَارًا وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 107-110 ].
وفي التفسير أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين بنوا مسجداً يضارُّون به مسجد قباء وهو قوله: ﴿ ضرارا وكفرا ﴾ بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به ﴿ وتفريقاً بين المؤمنين ﴾ يفرِّقون به جماعتهم لأنهم كانوا يصلُّون جميعاً في مسجد قباء فبنوا مسجد الضِّرار ليصلِّي فيه بعضهم فيختلفوا بسبب ذلك ﴿ وإرصاداً ﴾ وانتظاراً ﴿ لمن حارب الله ورسوله من قبل ﴾ يعني: أبا عامرٍ الرَّاهب كان قد خرج إلى الشَّام ليأتي بجندٍ يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسل إلى المنافقين أن ابنوا لي مسجداً ﴿ وليحلفنَّ إن أردنا ﴾ ببنائه ﴿ إلاَّ ﴾ ﴿ الحسنى ﴾ وهي الرِّفق بالمسلمين والتَّوسعة عليهم فلمَّا بنوا ذلك المسجد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلِّي بهم في ذلك المسجد فنهاه الله عز وجل.

كان طريق القرآن في مواجهة هذا الأسلوب النفاقي القذر غايةً في الوضوح والحزم والقوة؛ فقد هَتك ستار المنافقين بإيضاح قصد بناء الضرار الذي أحدثوه؛ والمتمثل بمضارة المؤمنين من خلال تفريق جماعتهم. فلا مجال لإحسان الظن، يقول الله - تعالى -: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [محمد: 30]، قال أهل العلم: قَول الْإِنْسَان وَفعله دَلِيل على نِيَّته، والفعل أصدق القول.

فالشعارات لا تغير الحقائق وإن رُوِّجت بالألقاب الشرعية، والقول لا يغلب الفعل: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 11-12]. وتَرْكُ شهود مشاريع ضرار المنافقين - بعد فضح أمرها - من أقوى ما يُردعون به، ويُرتاب به بناؤهم: ﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ [التوبة: 108]؛ إذ لربما أضفى حضورُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصلاتُه لشعار الغدر حقيقةً يُفتن بها الناسُ، ويروج بها الباطل. كما أن الواجب عند القدرة والتمكين إزالةُ بناء الضرار وإراحةُ الوجود منه بعدما انجلت حقيقته وتميّزَ أهله، وذاك ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حسماً لمادة الفتنة، وإخماداً لنارها.

اضافة تعليق