في معنى الزهد.. مفهوم مغلوط و3 أنواع

الخميس، 19 يوليه 2018 11:52 ص
الزهد



الزهد في الدنيا.. هل يعني ترك كل ما فيها والعيش وسط الصحراء على أقل القليل؟.. وهل هو بتحريم الطيبات وكف النفس عنها؟، الإجابة بالتأكيد لا.. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أزهد الناس ولم يحرم على نفسه شيئا أباحه الله له.


يقول العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ في مدارج السالكين ما عبارته: وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام.. والثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص.. والثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين.

إذن الزهد هو تمسك القلب بالآخرة مع إتيان كل ما يعين في الحياة على معيشتها، وقد صنف العلماء الزهد إلى ستة أشياء، منها: المال والصور والرياسة والناس والنفس وكل ما دون الله، وليس المراد رفضها من الملك، فقد كان سليمان وداود ـ عليهما السلام ـ من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما، وكان نبينا من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة وكان علي بن أبي طالب وعبدالرحمن بن عوف والزبير وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي ـ رضي الله عنه ـ من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم.

وقد وصف ربنا - عز وجل - حال الدنيا وأهلها فيها، وكشف حقيقتها، وبين قصر مدتها، وانقضاء لذتها، فقال تعالى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].

فبين لنا العليم الحكيم في هذه الآية حال الدنيا التي افتتن الناس بها، وبين أنها لعب لا ثمرة فيه سوى التعب، ولهو يشغل صاحبه ويلهيه عما ينفعه في آخرته، وزينة تخدع المفتون بها، وتفاخر بالأنساب والعظام البالية، ومباهاة بكثرة الأموال والأولاد، وعظم الجاه، وأشار سبحانه إلى أنها مع ذلك سريعة الزوال، كمثل غيث أعجب الزراع نباته الناشئ منه، ثم يهيج ويتحرك وينمو إلى أقصى ما قدره الله له، فسرعان ما تراه مصفرًا متغيرًا ذابلًا بعد أن كان أخضر نضرًا، ثم يعود إلى اليبس هشيمًا متكسرًا، ففيه تشبيه جميع ما في الدنيا من السنين الكثيرة بمدة نبات غيث واحد يفنى ويضمحل ويتلاشى في أقل من سنة، إشارة إلى سرعة زوالها وقرب فنائها.

ثم أشار سبحانه إلى عظم شأن الآخرة بما فيها من الآلام والعذاب الشديد لمن عصاه، والمغفرة والرضوان الموجب لكمال النعيم لمن أطاعه.

قال تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف: 45].

وقال سبحانه: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 14، 15].

وقال تعالى: ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26].

روى مسلم في صحيحه من حديث المستورد بن فهر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار بالسبابة - في اليم، فلينظر بما ترجع؟".

ورو ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير فأثر في جنبه فلما استيقظ؛ جعلت أمسح جنبه فقلت: يا رسول الله! لو كنت آذنتنا ففرشنا لك عليه شيئًا يقيك منه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أنا والدنيا ؟! إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

اضافة تعليق