هارون الرشيد.. الوجه الآخر بعيدًا عن الشائعات

الثلاثاء، 17 يوليه 2018 11:00 ص
هارون الرشيد


يعد هارون الرشيد الخليفة العباسي، الأكثر تعرضًا للشائعات حوله، فغالبا ما يرتبط اسمه في المسلسلات والأفلام العربية بأنه الملك الذي كان يحكم وحوله عشرات النساء طوع يده، وغيرها من الشائعات التي لا أصل لها في التاريخ.. إلا أن الحقيقة أنه من قال للسحابة: "أمطري آنا شئتي فأينما تمطري سيأتيني خراجك".

يكفي أنه أحد أعظم من امتدت الأراضي الإسلامية في عهده، ومن العظماء الذين طأطأ الروم رؤوسهم له، ففي سنة سبع وثمانين ومائة جاء للرشيد كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة الروم وصورة الكتاب [من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافه إليها، وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك] فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى ما تمكن أحد أن ينظر إلى وجهه فضلاً أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأي على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نزل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحا مبينا فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة.

ولقد قاد هارون الرشيد الحج وهو خليفة ثمان مرات، وقيل تسع. وقد لا نتصور مشقة الحج في تلك الأيام، ولاسيما من يأتي من بغداد إلى الحرمين راكبا، ليس في سيارة مكيفة أو طائرة. فالسفر كان قطعة من العذاب حقا، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان هارون الرشيد يغزو أعداء الإسلام، مثل الروم، أو يرسل من يغزوهم لعداوتهم للمسلمين أو لمواقفهم المتقلبة. وأرسله أبوه الهادي ليغزو الروم عام 165وهو دون العشرين من العمر، فنزل على الخليج، ثم خرج إلى قرم المصيصة ومسجدها، فقوى أهلها وبنى القصر الذي عند جسر أذنة على نهر سيحان.

كان الرشيد يحب العلماء ويعظم حرمات الدين ويبغض الجدال والكلام، وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله.


- ولما بلغه موت عبد الله ابن المبارك حزن عليه وجلس للعزاء فعزاه الأكابر.
- قال أبو معاوية الضرير ما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي ورويت له حديثه "وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيى ثم أقتل " فبكى حتى انتحب .

- وعن خرزاذ العابد قال حدث أبو معاوية الرشيد بحديث احتج آدم وموسى فقال رجل شريف فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في الحديث فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول بادرة منه يا أمير المؤمنين حتى سكن.


- وأخرج ابن عساكر عن ابن علية قال أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي قال له أريح العباد منك. قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزارى وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا.


- وكان العلماء يبادلونه التقدير، روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره، قال فكبر ذلك علينا فلما مات هارون وظهرت الفتن وكان من المأمون ما حمل الناس على القول بخلق القرآن قلنا الشيخ كان أعلم بما تكلم.

وذُكر أن يهوديا كانت له حاجة إلى هارون الرشيد فاختلف إلى بابه مرات فلم يتمكن من مقابلته. فوقف يوما على الباب فلما خرج هارون سعى ووقف بين يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين. فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا لله. فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت له. فلما رجع قيل يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك بقول يهودي؟ قال: "لا، ولكن تذكرت قول الله تعالى ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [البقرة: 206] وقال قتادة ذُكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعيتم إلى الله فأجيبوا وإذا سئلتم بالله فأعطوا فإن المؤمنين كانوا كذلك.".

اضافة تعليق