التوبة.. أقصر الطرق للعودة إلى الله

الأحد، 15 يوليه 2018 02:28 م
فضل التوبة

التوبة ملاذ المؤمن للعودة إلى الحق، والطريق الذي وصفه الله لعباده المذنبين لكي يكفروا عن ذنوبهم، شريطة ألا يكونوا مصرين على الخطأ وأن يحتموا بحمى الاستغفار، ولذلك هي لاشك من أجَلِّ العبادات، وأعظم القُرُبات، وكفى أهلَها شرفًا وفضلًا محبَّةُ الله لهم؛ حيث قال عزَّ وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]، فهنيئًا للتائبين محبَّةُ الله لهم؛ لأنَّ مَن أحبَّه الله لا يعذِّبه في الدنيا ولا في الآخرة.. فالتوبة الصادقة تمحو الخطيئات مهما عظمت حتى الكفرَ والشرك: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38].

وقد أوجب الله تعالى التوبة على جميع المؤمنين من كل ذنب فقال سبحانه: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.. فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة والرجوع مما يكرهه الله: ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه: ودلت هذه الآية على أن كل مؤمن محتاج إلى توبة؛ لأن الله خاطب المؤمنين جميعاً. وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها التي عقدها العبد لله لا يريد بتوبته إلا وجه الله والتقرب منه، ويستمر على توبته في جميع أحواله. ورحمة الله واسعة على عباده المسرفين بالذنوب والمتجاوزين لحدوده، فقد رغَّبهم في التوبة فقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾‹.

وقد عاتب الله المؤمنين على عدم المسارعة في الخشوع له والإنابة، ورغَّبهم وحثَّهم على خشوع القلوب لله تعالى وحذرهم من صفات أهل الكتاب وأهل القسوة والغفلة، فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾.

وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوبة، فقال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوبُ في اليوم إليه مائة مرة". وفي رواية: "إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". والمراد ما يتغشَّى القلب من الغفلات والفترات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدّ ذلك ذنباً واستغفر منه. ولفظ الإمام أحمد: "يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله وأستغفره في كل يوم مائة مرة".

وقال عليه الصلاة والسلام: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". وظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إنا كنا لنعدُّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مائة مرة "رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم". وفي رواية: "رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الغفور".

ومن رحمة الله تعالى بعبده وإحسانه وجوده وكرمه أنه يفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه فرحاً يليق بجلاله وعظمته؛ فعن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابُه فأيس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأمن شدة الفرح".

ومن كرمه على عباده: أنه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.

اضافة تعليق